كلهم يعبدون من خوف النار
ويرون النجاة حظا جزيلا
إنني لست مثلهم ولهذا
لست أبغي بمن أحب بديلا
وقالت أيضا: اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك خوفا من نارك فأدخلني فيها، وإن كنت تعلم أني أعبدك طمعا في جنتك فاحرمني منها، إنما أعبدك لأنك تستحق أن تعبد. إذن ف ﴿ الله بصير بالعباد ﴾ [آل عمران: 15] أي أنه سيعطي كل عبد على قدر حركته ونيته في الحركة فالذي أحب ما عند الله من النعمة فليأخذ النعمة ويفيضها الله عليه. أما الذي أحب الله وإن سلب منه النعمة، فإن الله يعطيه العطاء الأوفى، وذلك هو مجال مباهاة الله لملائكته.. ومن أقوى دلائل الإيمان وكماله.. إيثار محبة الله ورسوله على كل شيء في الوجود. عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" ثلاث من كن فيه وجد بهم حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار "
إن هناك العبد الذي يحب الله لذاته لأن ذاته سبحانه تستحق أن تعبد، فذات الله تستحق العبادة لأنه الوهاب، الذي نظم لنا هذا الكون الجميل. إذن فقول الحق: ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ [آل عمران: 15] يعني أن الله يعلم مقدار ما يستحق كل عابد لربه، وعلى مقدار حركته ونيته في ربه يكون الجزاء، فمن عبد الله للنعمة أعطاه الله النعمة المرجوة في الجنة ليأخذها، وأطاع الله لأنه أهل لأن يطاع وإن أخذت - بضم الألف وكسر الخاء - النعمة منه فإن الله يعطيه مكانا في عليين. ولذلك قيل: إن أشد الناس بلاء هم الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل. لماذا؟ لأن ذلك دليل صدق المحبة. والإنسان عادة يحب من يحسن إليه، ولا يحب من تأتي منه الإساءة إلا إن كانت له منزلة عالية كبيرة. إنه مطمئن إلى حكمته، إنه ابتلاه - وهو يعلم صبره - ليعطيه ثوابا جزيلا وأجرا كبيرا، والحق يقول:
قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا
[الكهف: 110]. لقد قال: " فمن كان يرجوا لقاء ربه " ولم يقل جنة ربه وهكذا يجب ألا تشغلنا النعمة - الجنة - عن المنعم وهو الله سبحانه وتعالى، وإذا كان الحق قد طلب منا ألا نشرك بعبادة ربنا أحدا فلنعلم أن الجنة أحد. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا... ﴾.