والأنعام لتحقق لنا المتعة. أما الجنة في الآخرة فالمؤمن يجد فيها كل ما تشتهيه الأنفس، وكل ما يخطر ببال من يرزقه الله الجنة سوف يجده فالوسائط لا لزوم لها. لذلك تكلم الحق عن الأشياء المباشرة، فأورد لنا ذكر الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، وذكر لنا الأزواج المطهرة. وعندما نتأمل قول الحق: ﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ﴾ [آل عمران: 15] قد يقول قائل: ألم يكن من المنطق أن يخبرنا الحق مباشرة بما يريد أن يخبرنا به، بدلا من أن يسألنا: أيخبرنا بهذا الخير، أم لا؟ ونقول: أنت لم تلتفت إلى التشويق بالأسلوب الجميل، وحنان الله على خلقه. إنه سبحانه وتعالى يقول لنا: ألا تريدون أن أقول لكم على أشياء تفضل تلك الأشياء التي تسيركم في الدنيا. فكأن الحق سبحانه وتعالى قد نبه من لم ينتبه. ولم ينتظر الحق أن نقول له: قل لنا يارب. لا، إنه يقول لنا دون طلب منا، ويقال عن هذا الأسلوب في اللغة إنه " استفهام للتقرير " ، فالإنسان حين يسمع: ﴿ أؤنبئكم بخير من ذلكم ﴾ [آل عمران: 15] فالذهن ينشغل، فإن لم يسمع النبأ، فلسوف يظل الذهن مشغولا بالنبأ، ويأتي الجواب على اشتياق فيتمكن من نفس المؤمن. ويأتي النبأ ﴿ للذين اتقوا ﴾ [آل عمران: 15]، فعندما نمعن النظر في الشهوات التي تقدمت من نساء وبنين وقناطير مقنطرة من ذهب وفضة وخيل مسومة وأنعام وحرث، ألا يكون من المناسب فيها أن يتقي الإنسان ربه في مجالها؟ إن التقوى لله في هذه الأشياء واجبة، ولذلك قلنا من قبل قضية نرد بها على الذين يريدون أن يجعلوا الحياة زهدا وانحسارا عن الحركة، وأن يوقفوا الحياة على العبادة في أمور الصلاة والصوم، وأن نترك كل شيء. لهؤلاء نقول: لا إن حركتك في الحياة تعينك على التقوى لأننا عرفنا أن معنى التقوى هو أن يجعل الإنسان بينه وبين النار حجابا، وأن تجعل بينك وبين غضب ربك وقاية. فإذا ما أخذت نعم الله لتصرفها في ضوء منهج الله فهذا هو حسن استخدام النعم. وقد أوضحت من قبل أن التقوى حين تأتي مرة في قول الحق: " اتقوا الله " وتأتي مرة أخرى " اتقوا النار " فهما ملتقيان فاتقاء النار حتى لا يصاب الإنسان بأذى، وعندما يتقي الإنسان الله فهو يتقي غضب الله لأن غضب الله يورد العذاب، والعذاب من جنود النار. إذن فالذين يتقون الله لا يظنون أنهم زهدوا في هذه الحياة لذات الزهد فيها، ولكن للطمع فيما هو أعلى منها، إنه الطمع في النعيم الأخروي الدائم.
ويوضح الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: أنكم لن تتمتعوا في الآخرة لضرورة الحاجة للمتعة، بحيث إذا ما جاءت النعمة عليكم تفرحون بها، إن الأمر لا يقتصر على ذلك وإنما يتعداه إلى أنكم - أيها المؤمنون - تحبون فقط أن تروا المنعم، فما دام المؤمن الذي يدخل الجنة يجد كل ما يشتهي بل إنه لا يشتهي شيئا حتى يأتيه، ويستمتع على قدر عطاء الله وقدراته. وإذا لم يشته الإنسان ثمارا في الجنة أو نساء، ويصبح مشغولا برؤية ربه فإن مكانه جنة من الجنان اسمها " عليون " و " عليون " هذه ليس فيها شيء مما تسمعه عن الجنة، ليس فيها الا أن تلقى الله. إن الرزق والنعم ليسا من أجل قوام الحياة في الجنة، بل إن الإنسان سيكون له الخلود فيها فالذي يحتاج إليه الإنسان هو رضوان من الله. إن رضوانا من الله أكبر من كل شيء. ولقد نبأنا الله بما في الجنات، ونبأنا بالخير من كل ذلك. لقد نبأنا الله بأن رضوانه الأكبر هو أن يضمن المؤمن أن يظفر برؤية ربه. وهذا ما يقول الله.
وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة
[القيامة: 22-23]. إذن فهناك في الجنة مراتب ارتقائية. ويخبرنا الحق من بعد ذلك: ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ [آل عمران: 15] أي أن الله سيعطي كل إنسان على قدر موقفه من منهج ربه، فمن أطاع الله رغبة في النعيم بالجنة يأخذ جنة الله، ومن أطاع الله لأن ذات الله أهل لأن تطاع فإن الله يعطيه متعة ولذة النظر إليه - سبحانه - تقول رابعة العدوية في هذا المعنى: