أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون
[الواقعة: 63-64]. وعبر الحق عن الزواج بالحرث لأنه السبب الذي يوجد الزرع. وكل ما تقدم من الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، كل ذلك تكون قيمته عند الإنسان ما يوضحه الحق بقوله: ﴿ ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ﴾ [آل عمران: 14].
إن كل ذلك هو متاع الحياة الدنيا، والفيصل هو أن الإنسان يخشى أن تفوته النعمة فلا تكون عنده، أو أن يفوتها فيموت. وكل ما يفوتك أو تفوته، فلا تعتز به. وعندما نتأمل الآية في مجموعها نجد أن فيها مفاتيح كل شخصية تريد أن تنحرف عن منهج الله، إنه سبحانه يقول: ﴿ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ﴾ [آل عمران: 14]. هكذا نرى المفاتيح التي قد تجذب الإنسان لينحرف عن مراد الله في منهجه، إنه - سبحانه - يطلب من عبده المؤمن أن يبني حركة حياته على مراد الله، فما الذي يجعل المؤمن يترك مراد الله من حكم لينصرف إلى حكم يناقضه؟. لا شك أنه الهوى، والهوى هو الذي يميل ويزيغ القلوب، ولكل هوى مفتاح، ولكل شخصية من المكلفين بمنهج الله مفتاح لهواه، فواحد مفتاحه النساء، وواحد مفتاحه البنون، يحب أن يرعاهم رعاية تفوق دخله من عمل أو صناعة مثلا فقد يسرق أو يرتشي ليسعد هؤلاء. وأناس مفاتيحهم الشخصية في المال، أو في زينة الخيل، والعدة والعتاد فلكل شخصية مفتاح هوى. والذين يدخلون على الناس ليزينوا لهم غير منهج الله يأتون لهم بالمفتاح الذي يفتح شخصياتهم، فربما كان هناك إنسان لا تغريه نظرة المرأة أو ملايين الذهب، إنما يتملكه حبه لأولاده وهو الهوى الغلاب. إذن فكل واحد له مفتاح لشخصيته، والذين يريدون إغراء الناس وغوايتهم يعرفون مفاتيح من يريدون إغراءه وإغواءه. وحين يقول الحق أن هذه الأشياء هي المزينة للناس. وقد يقول قائل: إذا كان الله يريد أن يصرفنا عن هذه الأشياء فلماذا خلقها لنا؟ وعلى هذا القول نرد: إن الحق ما دام قد قال: " زين " وبناها - كما يقول النحاة - للمجهول إي لما لم يسم فاعله، فمن الذي زين؟ لقد كان الله قادرا أن يقول لنا من الذي زين تلك الأشياء تحديدا، لكن الحق يريد أن يعلمنا أنه من الممكن أن يكون الشيطان هو الذي يزين لنا هذه الأشياء، ومن الممكن أن يكون منطق المنهج هو الذي يزين، ألم يقل الحق سبحانه دعاء على لسان عباده الصالحين:
ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما
[الفرقان: 74]. إذن فما الفيصل في تلك المسألة؟ الفيصل في هذه المسألة أن الحق سبحانه وتعالى جعل لكل نعمة من نعم الحياة عملا يعمله الإنسان فيها، فالمرأة إنما اتخذت سكنا أي ارتياحا عندها، ارتياحا يعطيك كل الحنان والعطف، وهو سبحانه القائل:
ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون
[الروم: 21]. إن الحق يريد لنا أن يسكن الرجل إلى حلاله، وتصرف المرأة الحلال عيني زوجها عن أعراض الناس. لكن ماذا في الرجل الذي يحب الأبناء؟ ألم يقل سيدنا زكريا:
قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا * وإني خفت الموالي من ورآئي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا
[مريم: 4-6]. لقد طلب زكريا عليه السلام وليا يرثه، والأنبياء لا يورث منهم أموال، إنما يورثون العلم والحكمة، إذن فقد طلب زكريا عليه السلام أن تورث ابنه الحكمة منه ويرث من آل يعقوب وأن يجعله الله رضيا. فلو كان الأنبياء يورثون المال، لكان البعض قد فهم أن طلب زكريا للابن كي يرثه في المال، لكن الحق أراد لأنبيائه ألا يورثوا المال، بل يورثون العلم بمنهج الله. وقد طلب زكريا الابن لتثبيت منهج الله في الأرض. وكذلك الذي يريد الأموال لينفقها في سبيل الله، وكذلك الذي يريد الخيل ليروضها على الجهاد، وكذلك الذي يريد الحرث ليملأ بطون خلق الله بما يطعمون منه، كل هؤلاء ينالهم المدح والجزاء الكثير من الله. لذلك يجب أن نعلم أن الحكم يأتي من الله محتملا أن تتجه به إلى الخير المراد لله، ومحتملا أن تتجه به إلى الشر المراد لنفسك. وأنت - أيها العبد - حين تنظر إلى أي شهوة من هذه الشهوات فلسوف تجد أنه من الممكن أن توجهها وجهة خير. يقول الحق: