والشاعر حين أراد أن يصف الروضة قال:
تصد الشمس أنى واجهتها
فتحجبها وتأذن للنسيم
إذن فحين وصف الحق القناطير بأنها مقنطرة فذلك يعني القناطير الدقيقة الميزان، وهي قناطير مقنطرة من ماذا؟ ﴿ من الذهب والفضة والخيل المسومة ﴾ [آل عمران: 14]. وكانت الخيل هي أداة العز وأمارة وعلامة على العظمة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة ".
قول الحق: ﴿ والخيل المسومة ﴾ [آل عمران: 14] نرى فيه أن اللفظ الواحد يشع في مجالات متعددة من المعاني، فمسومة من سامها يسومها، ومعنى ذلك أن لهذه الخيل مراعي تأكل منها كما تريد، وليست خيلا مربوطة تأكل ما يقدم لها فقط، ومسومة أيضا تعني أن لهذا الخيل علامات، فهذا حصان أغر، وذلك أدهم وذاك أشقر. ومسومة أيضا، أن تكون مروضة، ومدربة، وتم تعليمها، فالأصل في الخيل أنها لم تكن مستأنسة بل متوحشة، ولذلك لا بد من ترويضها حتى ينتفع بها الإنسان. فكم معنى إذن أعطته لما كلمة " مسومة "؟ سائمة، أي تأكل على قدر ما تشتهي لا على قدر ما نعطيها من طعام. ومعلمة أي فيها علامات كالغرة والتحجيل، وهذا جواد أدهم، وذلك جواد أشقر، أو أنها معلمة أي مروضة. فماذا تتطلب الحرب؟. إن الحرب تتطلب الانقطاع عن الأهل، فيجب ألا تكون شهوة النفس حاجزا، سواء كانت شهوة للنساء، أو كانت شهوة العزوة للبنين ورعايتهم، أو كانت شهوة المال فالمؤمن ينفقه في سبيل الله، والخيل أيضا يستخدمها الإنسان في القتال لإعلاء كلمة الله. ونلحظ أن هذه الآية - التي تعدد أنواع الزينة - جاءت بعد الآية التي تتحدث عن الجهاد في سبيل الله والتي يقول الحق تبارك وتعالى فيها:
قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشآء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار
[آل عمران: 13]. وذلك ليرشدنا إلى أن الإنسان المؤمن لا يصح أن يضحي بشهوته الحقيقية وهي إدراك الشهادة في سبيل الله أو النصر على العدو بسبب الشهوات الزائلة التي تتمثل في النساء، وفي البنين، وفي القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وفي الخيل المسومة والأنعام وقد قال الله عن الأنعام في سورة الأنعام:
ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين
[الأنعام: 143-144]. حساب ذلك هو اثنان من الضأن، واثنان من الماعز، واثنان من الإبل، واثنان من البقر أي ثمانية أزواج. ولا يمكن حسابها على أنها ستة عشر كما قال البعض قديما، لا إن الزواج لا يعني اثنين من الشيء، ولكن الزوج واحد، ولكن يشترط أن يكون مع غيره من جنسه. ومثال آخر هو كلمة " التوأم " ، إن التوأم هو واحد معه غيره، وهما توأمان، وهم توائم إذا كان العدد أكثر من اثنين. والحق يقول في مجال زينة الشهوات: ﴿ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ﴾ [آل عمران: 14] وحين تسمع كلمة " الحرث " فافهم أن المراد بها هنا الزرع، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد منك أن تعلم أن الله حين ينبت لك أشياء بدون معالجتك فإنه يريد منك أيضا أن تستنبت أشياء بمعالجتك، وهذا لا يتأتى إلا بعملية الحرث. والحرث هو إهاجة الأرض فالتربة تكون جامدة، فلا بد أن يهيجها الإنسان بالحرث، أي أن تفك يبوستها وتلاصق ذراتها لأن تلاصق ذرات التربة لا يصلح أن يكون بيئة للنبات لأن النبات يحتاج إلى الماء ويحتاج إلى الهواء، ويحتاج من الإنسان أن يمهد للشعيرات البسيطة أن تخرج، وتجد تربة سهلة تتحرك فيها إلى أن تقوى. إذن فالحرث يثير الأرض، ويجعلها لينة متفتتة حتى تستطيع البذرة أن تنمو لأن الله قد أودع في فلقتي كل بذرة مقومات الحياة الى أن يوجب لها جذر يأخذ مقومات الحياة من الأرض، وكلما قوي الجذر في النبات فإن الفلقتين تضمحلان، وتصيران مجرد ورقتين. فأين يذهب حجم الفلقتين؟ لقد قامت الفلقتان بتغذية النبتة إلى أن أستطاعت النبتة أن تتغذى بنفسها من الأرض، ولا يمكن حدوث ذلك إلا إذا كانت الأرض محروثة. ولذلك يقولون: إن الأرض الطينية السوداء تكون صعبة، وغير خصبة، ويقال: إن الأرض الرملية أيضا غير خصبة، لماذا؟. لأننا نريد صفتين اثنتين في الأرض: الصفة الأولى أن تكون الأرض صالحة أن يتخللها الماء ليشرب الزرع، والصفة الأخرى ألا تسرب الماء بعيدا، فإذا كانت الأرض طينية فإن جذور الزرع تختنق وتتعطن، وإذا كانت رملية فإن الماء يتسرب بعيدا، لذلك نحتاج في الزراعة الى أرض بين سوداء ورملية، أي أرض صفراء. والله حين يتكلم عن الزرع فإنه يقول: " الحرث " وذلك حتى يلفتنا إلى أن من يريد أن يأخذ زرعا لا بد أن يجد ويحرث الأرض. وهو سبحانه القائل: