تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنا ألقي متى وأين أحب

وأنت أيها العبد المؤمن تلقى الله متى أردت، وإذا أسلمت زمامك للإيمان فالزمام في يدك. يكفي أن تنوي الصلاة وتقول: الله أكبر فتكون في حضرته سبحانه سواء كنت في البيت أو في الشارع أو في أي مكان. وفي منتهى العزة لك. ﴿ واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول ﴾ [الأعراف: 205]. ولم يقل هنا رب العالمين: بل ربك أنت يا محمد، وهذه قمة العطاءات التي جاءت للناس، فهذا العطاء الذي جاء بمحمد رسولا، نعمة ومنة من الله على المؤمنين برسالته، وبعد ذلك ينسب لكل مسلم العطاء الذي جاء لمحمد. وقوله تعالى لرسوله: ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ أي أنه سبحانه لم يجعل دليل عنايته بك مقصورا على ما يشاهد في الخارج والبعيد عنك فقط لأنك قد لا ترى شيئا في الكون أو لا تسمع شيئا في الكون لأن الكون منفصل عنك، إنما انظر إلى نفسك أنت وستجد الآيات كلها تذكرك بخالقك.

وفي أنفسكم أفلا تبصرون

[الذاريات: 21]. فقبل أن يجعل ربنا الدليل في الكون الذي حولك، جعل لك الدليل أيضا في نفسك لأن نفسك لا تفارقك وأنت أعلم بملكاتها وبجوارحها، وبنوازعها، ولهذا كان التضرع إلى الله والخيفة منه لهما مجال هنا لأنك تستطيع أن ترى سر صنعته فيك، وستجد الكثير من الآيات، وهي آيات أكبر منك، لذلك أنت تتضاءل أمام من وهب لك كل هذا، وتخاف ألا تؤدي حقه لديك. ونعود إلى قول الله تعالى: ﴿ واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ﴾ والذكر حدث، والحدث يحتاج إلى زمان وإلى مكان. والغدو والآصال زمنان يستوعبان النهار فالغدو هو أول النهار، والآصال هو من العصر للمغرب، مثلما نقول " شمس الأصيل ". وهذه الآية الكونية تتكرر في القرآن الكريم كثيرا، فالحق تبارك وتعالى يقول:

يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا

[الأحزاب: 41 - 42]. وكما يقول عز وجل:

إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا

[الفتح: 8 - 9]. و " الأصيل " هنا مشترك، ومقابل الأصيل يطلق الحق عليه مرة بكرة، وأخرى يطلق عليه: الغدو، وسبحانه القائل:

الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم * في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال

[النور: 35 - 36]. إنك ساعة أن تقرأ " في بيوت " تعرف أن هنا حدثا لأن قوله: " في بيوت " شبه جملة في معنى الظرف، وإذا استقرأت ما قبلها، لم تجد لها متعلقا. والحظ إذن أن ما قبلها هو ﴿ نور على نور ﴾ ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ﴾ فأنت حين تذهب إلى المسجد لتلقى الله، فذلك نور، وتصلى له فذلك نور، وتخرج من هذا النور بنور يهبط عليك في بيته، وكل هذا نور على نور، فمن أراد أن يتعرض لنفحات نور الله عز وجل فليكثر من الذهاب إلى بيوت الله، وللمساجد مهابة النور لأنها مكان الصلاة، ونعلم أن الصلاة هي الخلوة التي بين العبد وربه، وكان رسول الله إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة. وأنت إذا ما اتبعت حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وتصلي ركعتين لله إن حزبك أمر وعزت عليك مسألة وكانت فوق أسبابك ثم ذهبت بها إلى الله فلن يخرجك الله إلا راضيا. ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ﴾. والغدو والآصال أو البكرة والأصيل كما عرفنا هي أزمنة أول النهار وأزمنة أول الليل. ولماذا أزمنة أول النهار وأزمنة أول الليل؟ لأن هذه الأزمنة هي التي يطلب فيها الذكر. فقبل أن تخرج للعمل في أول النهار أنت تحتاج لشحنة من العزيمة تقابل بها العمل من أجل مطالب الحياة، وفي نهاية النهار أنت تحتاج أن تركن إلى ربك ليزيح عنك متاعب هذا اليوم، لذلك إياك أن تشغلك الحياة عن واهب الحياة، ولك أن تذكر ربنا وأنت تعيش مع كل عمل تؤديه وتقوم به وأن تقابل كل نتيجة للعمل بكلمة: الحمد لله وعندما ترى أي جميل من الوهاب سبحانه وتعالى يجب عليك أن تقول: " ما شاء الله " وعندما ترى أي شيء يعجبك تقول: سبحان الله. ولذلك حينما دعا الله خلقه المؤمنين به إلى الصلاة قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٧٨