تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس كمثله شيء

[الشورى: 11]. أي لا أحد يشبهه في شيء لأنه منزه في الذات والصفات والأفعال. وأيضا نقول: هذا مثل هذا أي أن فلانا المشبه به يكون أعلى منه فيما يشبهه به، لكن الناس لا تعرف ذلك. وإن كان المشبه به ذائع الصيت بحيث يجري اسمه على كل لسان فنحن نقول: إنه مثل كقولنا عن الكريم: " هو حاتم " لأن شهرة حاتم في الكرم جعلته مثلا.

والفرق أنك إذا قلت في فلان إنه يشبه حاتما في الكرم، فقد تكون أول من يخبر عنه، ولك أن تأتي بواحد له شهرة ذائعة الصيت على كل لسان فهذا مثل، كأن تقول: مثل حاتم في الكرم، أو مثل عنترة في الشجاعة. والمثل في الذكاء إياس، لأن كل واحد منهم مشهور بصفة، ولذلك لما مدح الشاعر الخليفة قال فيه: إقدام عمرو في شجاعته في سماحة حاتم أي الطائي في حلم أحنف الأحنف بن قيس وكان مشهورا بالحلم عند العرب وفي ذكاء إياس. وقال رجل من القوم: كيف تشبه الأمير بصعاليك العرب؟ إن الأمير فوق من ذكرت جميعا. ما عمرو بالنسبة للأمير؟! وما حاتم بالنسبة للأمير؟! فقال الشاعر:

وشبهه المداح في الباس والندى

بمن لو رآه كان أصغر خادم

ففي جيشه خمسون ألفا كعنتر

وفي خزنه ألف ألف كحاتم

أي أن عنده أمثال حاتم وأمثال عنترة. فما كان منه إلا أن أسعفته ذاكرته وبديهيته فقال:

لا تنكروا ضربي له من دونه

مثلا شرودا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره

مثلا من المشكاة والنبراس

وكأن الشاعر يقول: أنا ضربت بهم المثل لأنهم أصبحوا المثل المشهور والأمثال لا تتغير. وأنت تقدر في المثل، فقد تقول: فلان حاتم، وحاتم انقضى عمره، لكنه قد صار مثلا مشهورا في التاريخ، أو تقول: " فلان عنتر " ، أو " فلان إياس " ، وفي ذلك يرتقي التشبيه، بأن صار المشبه به مشهورا معلوما متواردا على الألسنة وكل واحد يشبه به. ويعرفون المثل بأنه: قول شبه مورده بمضربه، أي أنك تشبه الحالة التي قيل فيها المثل أولا، ومثال ذلك: حينما أرسل عظيم من عظماء العرب خاطبة اسمها " عصام " لتخطب له أم إياس فقد بلغه أنها جميلة وأنها وأنها، فقال: اذهبي حتى تعلمي لي علم ابنة عوف، فذهبت الخاطبة وخلت أم الفتاة بينها وبينها، وقالت لها: يا هذه، هذه خالتك جاءت لتنظر إلى بعض أمرك فلا تستري عنها شيئا أرادت النظر إليه، من وجه وخلق، وناطقيها فيما استنطقتك به. ثم أرسلت إلى خباء، ونظرتها كلها وفحصتها فحصا شاملا. فلما عادت إلى من أرسلها، وكان ينتظرها في شوق وكأنه على أحر من الجمر، قال لها: " ما وراءك يا عصام؟ ". قالت: " أبدي المخض عن الزبد " أي أن الرحلة جاءت بفائدة. وأصبح العرب بعد ذلك كلما أرسلوا رسولا ذكرا أو أنثى أو مثنى أو جمعا وبعد أن يعود إليهم ويستعملوا منه عن نتيجة رحلته، فهم يقولون له: " ما وراءك يا عصام؟ " ، ولو كان رجلا، لأن الأمثال لا تغير.

وكل شيء يجدي الجهد فيه يقال عنه: " أبدي المخض عن الزبد ". فحين ينجح الولد ويأتي بالمجموع المناسب يقال: " أبدي المخض عن الزبد ". والحق تبارك وتعالى يقول:

إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها

[البقرة: 26]. وكانوا قد قالوا: كيف يضرب الله المثل ببعوضة وقال سبحانه:

لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له

[الحج: 73]. لقد فهموا قوله: " فما فوقها " أنها أكبر منها، والمراد غير ذلك لأنه سبحانه ضرب المثل بالأقل لذلك قال: " فما فوقها " من باب فما فوقها في الاحتقار منكم والقلة في الحجم مما تنكرونه، وهو الضآلة. وحتى تفهم ذلك نسمع أحيانا: فلان مريض. ويرد السامع وفلان فوقه في المرض. ونجد " فوقه " هنا لا تعني المرض الأقل، بل المرض الأكثر شدة: ﴿ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ﴾ [الأعراف: 176]. والكلام موجه لليهود: أي أنتم يا بني إسرائيل مثلكم مثل الرجل الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها، ولقد جاءت لكم في التوراة بشارة بمحمد، ووصفته بسمات وعلامات، بحيث إذا رآه الإنسان يعرف أنه الرسول الذي جاء ذكره في التوراة، ويعرفه الواحد منكم كما يعرف ابنا له، لأنه مذكور لكم بنصه ونعته وشكله وطوله، وعرضه. وكنتم تستفتحون به على العرب. لكنكم امتنعتم عن التصديق بالآيات، وعندما جاءكم بما عرفتم عنه كفرتم به. وصار مثلكم كمثل الرجل الذي آتاه الله الآيات فانسلخ منها ﴿ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ [الأعراف: 176]. وهم بعنادهم وبغيهم وكفرهم قد كذبوا بالآيات الكونية التي يراها البصر السماء والأرض والشمس، والآيات المعجزات التي يثبت بها الرسول صدق بلاغه عن الله، وكذلك آيات القرآن التي تحمل منهج الله. ﴿ فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ﴾ [الأعراف: 176] وعليك يا محمد أن تقصص القصص وأن تقول ما حدث وما كان، وأنت لن تحكي الأمر التافه، بل ستحكي ما يقال له قصص ويكون فيه عبرة تنفتح بها حركة المجتمع. ويذيل الحق الآية بقوله تعالى: ﴿ لعلهم يتفكرون ﴾ [الأعراف: 176]، ونعلم أن القرآن قد جاء فيه الأمر بالتفكر والتذكر والتدبر. والتفكر - كما نعرف - هو عمل العقل في المقارنات بين البديلات المتنوعة ليرجح بديلا على بديل فتعقل به القضايا. والتذكر يعني إن غفلت عن هذا فتذكره، حتى يزيح عنك الغفلة عن القضية المعلومة. أما التدبر فهو أيضا بحث عقلي. فلا تنظر إلى واجهة الأشياء، بل إلى كلية الأشياء من جميع جهاتها بواجهة وجوانب وخلف، وما ينتج عنها. وعلى سبيل المثال يقال: انظر خلف العبارة، لتجد المعنى الخفي فيما يقال. والمثال في قول الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٤٤