كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام الخالية
[الحاقة: 24]. وفي هذا القول فعل ورد فعل، الفعل هو العمل الصالح في الأيام التي مضت، ورد الفعل هو الطعام والشراب الهنيء في الآخرة. ولمن اغتر واعتز بنفسه وجبروته وقوته يقول له الحق:
فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا
[التوبة: 82]. وهكذا نجد البكاء الكثيف الشديد الكثير نتيجة للضحك القليل. ويأتي الإنسان من هؤلاء يوم القيامة ليقال له:
ذق إنك أنت العزيز الكريم
[الدخان: 49]. إن كنت قد فهمت أنك عزيز كريم فأسأت إلى الناس فلسوف تتلقى العقاب. ولذلك يقول لنا الحق عن المنهج: ﴿ واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ﴾. وإياكم أن تطرأ عليكم الغفلة من هذه الناحية، فالذي يتعب الناس في مناهج الله أنهم يغفلون عنها لأن الطاعة تكلفهم مشقة وبعض عناء، والمعاصي تكسبهم لذة وشهوة، فأوضح الحق: اذكروا جيدا الفعل ورد الفعل في هذه القيم. ونعلم أن الذكر يحتاج إلى أشياء كثيرة جدا، فالواعظ مثلا يذكرهم دائما، وقلنا إن " الوعظ " هو نوع من إعادة التذكير بالإعلام بالحكم، فأنا أعظ من علم الحكم، لأني أريد أن يفعله، فبعد أن علمه الموعوظ علما فقط يريد منه الواعظ أن ينفذه عمليا. فكلنا نعلم أن الصلاة ركن، وأن الحج ركن، والزكاة ركن من أركان الإسلام، وكلنا جاءنا العلم بذلك، لكن منا من يكسل في تطبيق هذا العلم. ونظل ندق على دماغه بالتذكير والوعظ، وهذا من خيرية أمته صلى الله عليه وسلم:
كنتم خير أمة أخرجت للناس
[آل عمران: 110]. ولماذا هذا التذكير؟. يجيب الحق:
تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر
[آل عمران: 110]. الأمر بالمعروف عظة قولية، والنهي عن المنكر عظة قولية، ويعددها الرسول صلى الله عليه وسلم لبقاء التذكير، وليأخذ كل مسلم منهج الله بقوة، فيقول في الحديث:
" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان ".
إذن فقد نقل الرسول المسألة من الأمر وهو القول والنهي وهو قول أيضا إلى أن نباشرها فعلا، فإن لم يستطع الإنسان منا تغيير المنكر بلسانه أو بيده فلينكره بقلبه، ونجد القرآن قد جاء بها أمرا ونهيا، والرسول جاء بها فعلا، لأن هناك فرقا بين المعلومة التي تدخل الذهن، وحمل النفس على مطلوب المعلومة. ولذلك نحن ندرس الدين في مدارسنا، وندرس فيها أيضا الجبر والهندسة، والكيمياء، والطبيعة، والمتعب ليس تدريس الدين، بل الذي يتعب الناس هو حمل النفس على مطلوب الدين. لكن التلميذ حين يتعلم الجبر والهندسة أو الكيمياء فهذه علوم تعطي الإنسان خير الدنيا فيذهب لها، لكن مسألة الدين مسألة قيم لذلك لا يكفي أن نعلم الدين بل لا بد أن تنفذ ذلك العلم، وتنفيذ هذه المسألة يكون بالتطبيق في سلوك من أسوة حسنة وقدوة طيبة. وهب أن الذي يعلم الدين يدرسه معلومة ويدخلها في نفوس التلاميذ، ثم لا يجدون من أثر هذه المعلومة نضجا على سلوك من علمها، ماذا يكون الموقف؟. هنا تضعف ثقة التلميذ في أستاذة، وتضعف ثقته في الدين لأنه لم ير من الدين إلا كلاما يقال، بدليل أن من يقولونه لا ينفذونه، وفي هذا فشل في تعليم منهج الدين، والخطأ إذن أن الناس يظنون أن منهج الدين يقف عند تعليم المعلومات الدينية، لا.
إن تعليم الدين يقتضي تنفيذ ما فيه من معلومات، عكس العلوم الأخرى التي تعطي المعلومة فقط. وإن أراد الإنسان أن ينتفع بها في حياته انتفع، وإن لم يرد فهو حر في ذلك إذن فالتذكير مرة يكون بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر، ومرة يكون بالفعل،
" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه "
وماذا يعني التغيير باللسان؟. يعني أن الإنسان إن كان عنده حسن تأد واستعداد للعظة ومعرفة أدب النصح فله أن يقبل على تناول العظة. وليس كل إنسان صالحا لأن ينصح لأن المنصوح يخالف المنهج، والناصح يقف أمامه حتى لا يخالف المنهج، إنه يخرجه عما ألف وأحب، لذلك يجب أن يتلطف الناصح في النصح. ومثال ذلك نجد الطبيب حين يذهب إليه المريض يصف له الدواء، والدواء قديما كان كله مرا. وكانت الناس تأخذ الدواء بصعوبة، ويمسك الكبار الأطفال ليعطوهم الدواء. وحين ارتقت صناعة الدواء، قام الصيادلة بتغليف جرعة الدواء بغلاف يحجب المرارة. ليتلطفوا مع مريض الجسم، فما بالنا بمريض القيم؟. إنه يحتاج إلى المسألة نفسها. لذلك لا بد أن نجعل النصح خفيفا، ولا نجمع على المنصوح بين أن تخرجه عما ألف وما يكره من الأساليب، ولذلك قلنا: إن النصح ثقيل، لأنك حين تنصح إنسانا فمعنى ذلك أنك افترضت أنك أفضل سلوكا منه، وهو أقل منك في ذلك، وهذا هو أول مطب، وينظر لك المنصوح على أنك تفهم أحسن منه. ولهذا قالوا في الأثر: النصح ثقيل فلا ترسله جبلا، ولا تجعله جدلا. وقيل أيضا: الحقائق مرة فاستعيروا لها خفة البيان. هكذا يكون التذكير، وإن لم تستطع أن تمنع بالفعل فامنع بالقول لأن التغيير باليد يحتاج إلى سلطة المغير على المغير، وهذا لا يأتي إلا بأن يكون للمغير مقدمة وسابقة مع المغير يثبت فيها المغير أنه يحب مصلحة المغير. وقد يكون ذلك واردا من غير أن تقول. كأن تكون أباه أو أمه، والأب والأم يقومان برعاية الابن، وتلبية احتياجاته طعاما ومشربا ومسكنا ومصروفا. وكل منهما هو المتولي لمصالح الابن. وإذا كان الناصح ليس له هذه الصلة بالمنصوح، فعليه أن يتلطف له أولا بما يحب. فحين يطلب منك أمرا تقوم بإجابته إلى طلبه، وتنبهه بعد ذلك إلى ما تريد أن تنصحه إنك قد قدمت له شيئا من المعروف فيتحمل منك النصح. ومثال آخر: افرض أن ابنك قد طلب منك أن تحضر له ساعة، وبعد ذلك قالت لك أمه: إنه لم يستذكر دروسه حتى الآن. ثم تأتي له بالساعة وتقول له: يا ولد أنت أردت مني ساعة وأحضرتها لك، وتناولها له وتقول: إن أمك قالت لي إنك غير مهتم بدروسك، ولو تذكرت قولها لما أحضرت لك الساعة.