تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين ".

فقال عمر: كيف؟. وكررها رسول الله فعلم عمر - رضي الله عنه - بفطرته أن ذلك أمر تكليفي. وعرف أن الحب المراد هو الحب العقلي. فيقول المؤمن لنفسه: من أنا لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. وكل مؤمن يحب رسول الله حبا عقليا، وقد يتسامى إلى أن يصير حبا عاطفيا. والإنسان منا - كما قلنا سابقا - يحب الدواء بعقله لا بعاطفته لأنه مر، ولكنه يغضب إن اختفى الدواء من الأسواق ويفرح بمن يأتي له به. إذن التكليف يتطلب الحب العقلي. ومن أخبار سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عندما مر أمامه قاتل أخيه زيد بن الخطاب فقال له عمر: ازو نفسك عني فأنا لا أحبك، فرد الرجل بكل جرأة إيمانية: أو عدم حبك لي يمنعني حقا من حقوقي؟. قال عمر: لا، قال الرجل: إنما يبكي على الحب النساء. والحق يقول هنا: ﴿ يأخذوا بأحسنها ﴾ فمثلا، حين يقتل إنسان فلولي الدم أن يقتص، لكن الحق يحنن قلب ولي الدم على القاتل فيقول:

فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف..

[البقرة: 178]. وحين يسمي الحق القاتل أخا فهو يهدئ من صراع العواطف ويخفف من رغبة الانتقام. ويقول سبحانه أيضا:

ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور

[الشورى: 43]. ونجده سبحانه يؤكد أن مثل هذا الأمر من " عزم الأمور " لأنه أمر يتطلب الصبر والمغفرة. وما دام المؤمن قد استطاع أن يصبر وأن يغفر لغريم له، أفلا يصبر إذا نزلت مصيبة عليه بدون غريم كمرض مفاجئ أو افتقاد حبيب؟. من إذن غريمك في المرض؟ وممن تغضب، وعلى من تهيج وإلى أين انفعالك؟ ولذلك يقول لك الحق سبحانه:

واصبر على مآ أصابك..

[لقمان: 17] أي مما لا غريم لك فيه، ويوضح لك سبحانه:

إن ذلك لمن عزم الأمور

[لقمان: 17]. ونلحظ أن الحق هنا لم يؤكد " باللام " لكنه أكد الأخرى " باللام " لأن لك غريما يهيجك ساعة أن تراه، وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق لسيدنا موسى: ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾. يعني إذا وجدت لهم ذريعة ووسيلة وسببا إلى شيء ويوجد ما هو أحسن فأمرهم أن يأخذوا بالأحسن، لماذا؟ لأن الإنسان إذا روض نفسه وذللها وعودها على الأحسن يكون قد فهم عن الله. ونفرض أن واحدا أساء إليك ويمكنك أن تسيء إليه، فعليك أن تراعي في ردك للإساءة أن تكون بقدرها مصداقا لقوله الحق سبحانه:

فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به..

[النحل: 126]. ولكن من منا يتصف بالدقة في الموازين النفسية حتى يستطيع أن يعرف المثلية بالهوى؟ فإن كان هناك من صفعك وتريد أن ترد الصفعة، فمن أين لك أن تقدر حجم الألم الذي في صفعتك له؟. لا يمكن لك أن تحدد هذا القدر من الألم لأن هذه مسألة تتناسب مع القوة.

إذن لماذا تدخل نفسك في متاهات، ولماذا لا تعفو وينتهي الأمر؟ وحين يدلك الحق على أن العفو أحسن، إنما يريد بذلك أن ينهي شراسة النفوس وضغن الصدور. فحين يقتل إنسان إنسانا آخر سيكون هناك قصاص ودم، ولكن إذا عفا ولي الدم تكون حياة المعفو عنه هبة من ولي الدم فيستحي القاتل - بعد ذلك - أن يجعل أية حركة من حركات هذه الحياة ضد ولي الدم أو من ينسب إلى ولي الدم، وحينذاك تنتهي أي ضغينة أو رغبة في الثأر، ولذلك نجد البلاد التي تحدث فيها الثأرات وتستشري فيها عادة الأخذ بالثأر - مثل صعيد مصر - نجد القاتل إذا ما أخذ كفنه على يده ودخل على ولي الدم وقال له: أنا جئت إليك.. يعفو عنه ولي الدم وتفهم العائلة كلها أن حياة المطلوب للثأر صارت هبة من ولي الدم، وتصفى الثأرات وتنتهي. ولذلك جاء الأمر من الحق بالأخذ بالأحسن: ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾. ومثال آخر على الأخذ بالأحسن، قد نجد مدينا غير قادر أن يوفي الدين، هنا نجد الحق يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٨٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٨٩٤