[البقرة: 102]. وفي هذا تحذير لمن يتعلم مثل هذا الأمر، ويريد سبحانه أن يحمي خلقه من هذه المسألة، ويكفي أن نعلم أنه سبحانه قد قال:
وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله
[البقرة: 102]. فلو أنك تتبعت هؤلاء لاستذلوك واستنزفوك، ويتركك الله لهم لأنك اعتقدت فيهم، أما إن قلت " اللهم إنك قد أقدرت بعض خلقك على السحر والشر، ولكنك احتفظت لنفسك بإذن الضر، فإني أعوذ بما احتفظت به مما أقدرت عليه، بحق قولك:
وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله
[البقرة: 102]. هنا لن يمكنهم الله منك، إنما إن استجبت وسرت معهم، فهم يستنزفونك، وأراد الله أن يفضح هذه العملية فقال على ألسنة السحرة الذين استدعاهم فرعون:
أإن لنا لأجرا..
[الشعراء: 41]. وكأنهم يعترفون بالنقص فيهم، فعلى الرغم من ادعائهم القدرة على فعل المعجزات إلا أنهم عاجزون عن الكسب الذي يوفي حاجاتهم لذلك طلبوا الأجر من فرعون، وهذا حال الذين يشتغلون بالسحر والشعوذة. هم يدعون القدرة ويعانون الفاقة والعوز. هكذا حكم الحق بضيق رزق من يعمل بالسحر، ويفضحهم الحق دائما، وللعاقل أن يقول: ما داموا يدعون الفلاح فليفلحوا في إصلاح أحوالهم. وما دام الساحر يدعي أنه يعرف أماكن الكنوز المخبوءة فلماذا لا يعرف كنوزا في الأرض التي ليست مملوكة لأحد ويأخذها لنفسه؟ هذا إن افترضنا أن الساحر أمين للغاية ولا يريد أن يأخذ من خزائن الناس.
ولذلك تجد كل العاملين بالسحر والشعوذة يموتون فقراء، بشعي الهيئة مصابين في الذرية لأن الكائن منهم استغل فرصة لا توجد لكل واحد من جنسه البشري، وذلك للإضرار بالناس. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:
وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا
[الجن: 6]. وهنا يقرر الحق أنهم سيعيشون في إرهاق وتعب. ولذلك يتحدد موقفنا من السحر بأننا لا ننكره مثلما ينكره آخرون. فقد قال بعض من العلماء: إن السحرة جاءوا بعصي وضعوا فيها زئبقا، وعند وجود الزئبق تحت أشعة الشمس تعطي له حرارة فتتلوى العصى، لكن نحن لا ننكر السحر، كما لا ننكر الجن لأنه لا يفوتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله تبارك وتعالى منه وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ ".
فما دام الحق قد قال: إنه خلق خلقا لا تدركهم بإحساسك، فنحن نقر بما أبلغنا به الحق لأن وجود الشيء أمر وإدراك وجوده أمر آخر، وكل مخلوق له قانونه، فالعفريت من الجن قال لسيدنا سليمان عن عرش بلقيس:
أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك..
[النمل: 39]. وكأن الجن يطلب زمنا ما، فقد يجلس سليمان في مقامه معهم ساعة أو ساعتين أو ثلاثا، لكن الذي عنده علم من الكتاب يقول:
أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك..
[النمل: 40]. ولا بد أن يكون طرفه قد ارتد في أقل من ثانية بعد أن قال ذلك، ولهذا نجد القرآن يورد ما حدث على الفور فيقول:
فلما رآه مستقرا عنده..
[النمل: 40]. مما يدل على أن الله قد خلق الأجناس، وخلق لكل جنس قانونا، وقد يكون هناك قانون أقوى من قانون آخر، لكن صاحب القانون مخلوق لذلك لا يحتفظ به لأن خالق القانون يبطله، ويسلط أدنى على من هو أعلى منه. ولندقق في التعبير القرآني: ﴿ سحروا أعين الناس ﴾. ونحن أمام أشياء هي العصى والحبال. وجمع من البشر ينظر. ونفهم من قوله الحق: ﴿ سحروا أعين الناس ﴾ أن السحر ينصب على الرائي له، لكن المرئي يظل على حالته، فالعصى هي هي، والحبال هي هي، والذي يتغير هو رؤية الرائي. ولذلك قال سبحانه في آية ثانية:
يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى