وأقلت سحابا أي حملت سحابا. نعرف أن السحاب هو الأبخرة الطالعة والصاعدة من الأرض ثم تتجمع وتصعد إلى طبقات الجو العليا، وتضربها الرياح إلى أن تصادف منطقة باردة فيحدث تكثيف للسحاب فينزل المطر ونرى ذلك في الماء المقطر الذي يصنعونه في الصيدلية فيأتي الصيدلي بموقد وفوقه إناء فيه ماء ويغلي الماء فيخرج البخار ليسير في الأنابيب التي تمر في تيار بارد فيتكثف البخار ليصير ماء. ﴿ حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ﴾. وقال الحق: " سقناه " بضمير المذكر لأنه نظر إلى السحاب في اسم جنسه، أو نظر إلى لفظه، وجاء بالوصف مجموعا فقال: " ثقالا " نظرا إلى أن السحاب جمع سحابة فرق بينه وبين واحدة بالتاء، وما دامت السحب كلها داخلة في السوق فليس لها تعددات فكأنها شيء واحد. ﴿ حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت.. ﴾ [الأعراف: 57]. السحاب لا يتجه إلى مكان واحد، بل يتجه لأماكن متعددة، إذن فالحق يوجه السحاب الثقال لأكثر من مكان. لكن الحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿ سقناه لبلد ميت ﴾. والميت هو الذي لا حراك فيه وانتهى اختياره في الحركة، كذلك الأرض، فالماء ينزل من السماء على الأرض وهي هامدة ليس بها حركة حياة أي أن الله يرسل السحاب ويزجيه إلى البلد الميت في أي مكان من الأرض.
فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج
[الحج: 5]. إذن فالأرض التي لا يأتيها الماء تظل هامدة أي ليس بها حركة حياة مثل الميت. ﴿ سقناه لبلد ميت فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات.. ﴾ [الأعراف: 57]. وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا وينبهنا إلى القضية اليومية التي نراها دائما في صور شتى، وهي أن الأرض تكون في بعض الأحيان جدبا، ثم يهبط عليها بعض المطر، وبمجرد أن ينزل المطر على الجبل، وبعد يومين من نزول المطر نجد الجبل في اليوم الثالث وهو مخضر، فمن الذي بذر البذرة للنبات هذا اليوم؟ إذن فالنبات كان ينتظر هذه المياه، وبمجرد أن تنزل المياه يخرج النبات دون أن يبذر أحد بذورا، وهذا دليل على أن كل منطقة في الأرض فيها مقومات الحياة. ﴿ فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ﴾ [الأعراف: 57]. فالماء الذي ينزل على الأرض الميتة يحيي الأرض لأنه سبحانه يخرج الحياة كل يوم، وحين يوضح لنا سبحانه أن سيبعثنا من جديد فليس في هذا أمر عجيب، وهكذا جعل الله القضية الكونية مرئية وواضحة لكل واحد ولا يستطيع أحد أن يكابر ويعاند فيها لأنها أمر حسي مشاهد، ومنها نستنبط صدق القضية وصدق الرب. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ والبلد الطيب يخرج... ﴾.