وكأن الحق يوضح لنا ونحن في دار التكليف أن نستقبل المنهج على هذا الأساس، وعلى كل واحد أن يحدد مكانه من الجنة بقربه من منهج الله أو بعده عنه لأن دخول الجنة هو جزاء العمل طبقا لمنهج الحق. ووقف العلماء هنا - جزاهم الله خيرا - وقالوا: كيف نوفق بين هذه الآية: ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ [لأعراف: 43]. وبين قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
" لن يدخل أحدا عمله الجنة قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة ".
وأقول: ليس هناك تناقض بين قول الله سبحانه وتعالى وقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم الذي بلغ عن الله سبحانه، بل بينهما تأييد فالحق ساعة ما شرع أوضح أن من يعمل العمل الصالح سيدخل الجنة، وهذا التشريع لم يجبر أحد الله عليه، بل هو الذي يعطيه لنا فضلا منه فليس لأحد حق على الله لأنه لا يوجد عمل يعود بفائدة على الله، واتباع المنهج إنما يعود على العبد بالمنفعة والخير، فإن دخلت الجنة فهذا أيضا بالفضل من الله. وينبهنا القرآن إلى الجمع بين هذه الآيات وأنه لا تعارض بين نص حديثي ونص قرآني. يقول:
قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون
[يونس: 58]. فجزاء كل عمل عائد على الإنسان لأنه يأخذ مكافأته على فعله، فإن كانت المكأفاة أكبر من جزاء الفعل فهي من الفضل لأن الحق هو القائل:
كل امرىء بما كسب رهين
[الطور: 21]. وسبحانه أيضا هو القائل:
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
[النجم: 39]. إن فهمت اللغة وكنت صاحب ملكة ناضجة تقول: هذه " اللام " للملك. وتفيد أنه لاحق لك على الله إلا بسعيك على وفق منهج الله، وأن هذه الآية قد حددت العدل ولم تحدد الفضل.
قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا..
[يونس: 58]. والمثال على ذلك أننا كمسلمين نصلى على الميت المسلم، وقد أمرنا التشريع بذلك، وأن ندعو الله أن يتجاوز عن سيئاته. فهل تضيف هذه الصلاة إلى الميت شيئا زائدا عن عمله؟ لو لم تكن صلاة تضيف شيئا لما أمر التشريع بها. فهي صلاة على ميت مسلم، وإسلامه من عمله، ونجد الحق يقول:
والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان..
[الطور: 21]. أي أن الآباء والأبناء يشتركون معا في الإيمان وفي العمل، قوله تعالى:
ألحقنا بهم ذريتهم..
[الطور: 21]. هذا الإلحاق يفيد أن منزلة الذرية كانت أقل من منزلة الآباء، لكن الحق يرفع من منزلتهم إكراما للآباء. وهذا الإلحاق جزاء للذرية، وقد يكون أيضا جزاء للآباء فيحضر لهم أولادهم معهم ما دام الكل قد اشتركوا في الإيمان، وكان الآباء يتحرون الحلال في إطعام الأبناء ولا يربونهم إلا على منهج الله.
وقد يرى الآباء أبناء جار له يلبسون الملابس الفاخرة ويأكلون الأكل الطيب، ويتحمل الأبناء ويعيشون عيش الكفاف مع هذا الأب الملتزم بالعمل الصالح والأجر الحلال، وينال الأبناء الجنة مع الأب لأنهم تحملوا معه مشاق الالتزام بالحلال. وهكذا نجد كل إنسان مؤمن قد أخذ نتيجة عمله وزيادة. ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ [لأعراف: 43]. و ﴿ أورثتموها ﴾ من " الإرث " وتدل على أن هناك شيئا آل إلى الغير. ونعلم أن الله، علم أزلا كيف سيسلك كل مخلوق وما سيفعله من كفر وإيمان وطاعة ومعصية، وعلى رغم ذلك أعد سبحانه لكل واحد من خلقه مكانه في الجنة على أنه مؤمن، وأعد لكل واحد من خلقه مكانا في النار على أساس أنه سيكفر. إذن فقد أعد سبحانه جنانا بعدد خلقه، وأعد أماكن في الجحيم بعددهم، فليست هناك أزمة أماكن عند إله قادر مقتدر. فإن آمنا كلنا فلن يضيق بنا واسع الجنة، و- والعياذ بالله - إن كفر الخلق جميعا فلن تضيق بهم النار. فإذا كانوا جماعة من خلق سيدخلون الجنة بالعمل، فأين تذهب أماكن أهل النار؟ إن الحق بفضل منه يمنحها المؤمنين. إذن فقد ورثوا الذين لم يستحقوا الجنة بسبب الكفر. وبعد الكلام في الجنة والجزاء وفي حمد التلذذ والسرور والغبطة وفي عهد الجنة، بعد ذلك كان من المناسب أن يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن موقف أهل الجنة من أهل النار فيقول سبحانه: ﴿ ونادى أصحاب الجنة... ﴾.