تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن نافع وابن دينار ميتة البحر مما يعيش في البر نجسة. ونقل ابن عرفة قولا ثالثا بالفرق بين أن يموت في الماء، فيكون طاهرا، أو في البر فيكون نجسا. وعزاه لعيسى عن ابن القاسم. والضفادع البحرية عند مالك مباحة الأكل، وإن ماتت فيه. وفي المدونة ولا بأس بأكل الضفادع وإن ماتت. لأنها من صيد الماء اه. أما ميتة الضفادع البرية فهي حرام بلا خلاف بين العلماء. وأظهر الأقوال منع الضفادع مطلقا ولو ذكيت، لقيام الدليل على ذلك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. أما كلب الماء وخنزيره، فالمشهور من مذهب مالك، فيهما الكراهة. قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره عاطفا على ما يكره، وكلب ماء وخنزيره. وقال الباجي أما كلب البحر وخنزيره، فروى ابن شعبان أنه مكروه، وقاله ابن حبيب. وقال ابن القاسم في المدونة لم يكن مالك يجيبنا في خنزير الماء بشيء، ويقول أنتم تقولون خنزير. وقال ابن القاسم وأنا أتقيه ولو أكله رجل لم أره حراما. هذه هو حاصل مذهب مالك في المسألة وحجته في إباحة ميتة الحيوان البحري كان يعيش في البر أو لا قوله تعالى

أحل لكم صيد البحر وطعامه

المائدة 96 ولا طعام له غير صيده إلا ميتته، كما قاله جمهور العلماء، وهو الحق ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في البحر

" هو الطهور ماؤه الحل ميتته "

وقد قدمنا ثبوت هذا الحديث وفيه التصريح من النبي بأن ميتة البحر حلال، وهو فصل في محل النزاع. وقد تقرر في الأصول أن المفرد إذا أضيف إلى معرفة كان من صيغ العموم. كقوله

فليحذر الذين يخالفون عن أمره

النور 63 وقوله

وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها

إبراهيم 34. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله عاطفا على صيغ العموم

وما معرفا بأل قد وجدا أو بإضافة إلى معرف إذا تحقق الخصوص قد نفى

وبه نعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم

" ميتته "

يعم بظاهره كل ميتة مما في البحر. ومذهب الشافعي - رحمه الله - في هذه المسالة هو أن ما لا يعيش إلا في البحر فميتته حلال، بلا خلاف، سواء كان طافيا على الماء أم لا. وأما الذي يعيش في البر من حيوان البحر فأصح الأقوال فيه وهو المنصوص عن الشافعي في الأم، ومختصر المزني، واختلاف العراقيين أن ميتته كله حلال. للأدلة التي قدمنا آنفا ومقابله قولان أحدهما منع ميتة البحري الذي يعيش في البر مطلقا. الثاني التفصيل بين ما يؤكل نظيره في البر، كالبقرة والشاة، فتباح ميتة البحري منه، وبين ما لا يؤكل نظيره في البر كالخنزير والكلب فتحرم ميتة البحري منه، ولا يخفى أن حجة الأول أظهر.

لعموم قوله صلى الله عليه وسلم

" الحل ميتته "

وقوله تعالى

وطعامه

المائدة 96، كما تقدم. وأما مذهب الإمام أحمد - رحمه الله - فهو أن كل ما لا يعيش إلا في الماء فميتته حلال، والطافي منه وغيره سواء. وأما ما يعيش في البر من حيوان البحر فميتته عنده حرام، فلا بد من ذكاته إلا ما لا دم فيه، كالسرطان فإنه يباح عنده من غير ذكاة. واحتج لعدم إباحة ميتة ما يعيش في البر، بأنه حيوان يعيش في البر له نفس سائلة فلم يبح بغير ذكاة كالطير. وحمل الأدلة التي ذكرناعلى خصوص ما لا يعيش إلا في البحر ا ه. وكلب الماء عنده إذا ذكي حلال، ولا يخفى أن تخصيص الأدلة العامة يحتاج إلى نص. فمذهب مالك والشافعي أظهر دليلا، والله تعالى أعلم. ومذهب الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - أن كل ما يعيش في البر لا يؤكل البحري منه أصلا. لأنه مستخبث. وأما ما لا يعيش إلا في البحر وهو الحوت بأنواعه فميتته عنده حلال، إلا إذا مات حتف أنفه في البحر وطفا على وجه الماء. فإنه يكره أكله عنده، فما قتله إنسان أو حسر عنه البحر فمات حلال عنده، بخلاف الطافي على وجه الماء. وحجته فيما يعيش في البر منه أنه مستخبث. والله تعالى يقول

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٣٩