فلما أنزل الله براءتي قال أبو بكر رضي الله عنه - وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره -: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله تعالى
ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة
[النور: 22] إلى قوله تعالى
ألا تحبون أن يغفر الله لكم
[النور: 22] قال أبو بكر: بلى؛ والله إني أحب أن يغفر الله لي. وأعاد إلى مسطح النفقة وقال: لا أنزعها منه أبدا.
ثم إن الخبر بلغ إلى صفوان؛ فقال: سبحان الله! والله ما كشفت كنف أنثى. فقتل شهيدا في سبيل الله، وزاد في آخره: قالت: وقعد صفوان بن المعطل لحسان ابن ثابت فضربه بالسيف، وقال حين ضربه:
تلق ذباب السيف عني فإنني
غلام هوجيت لست بشاعر
ولكنني أحمي حماي وأنتقم
من الباهت الرامي البراء الطواهر
فصاح حسان واستغاث بالناس على صفوان، وجاء حسان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغيث به على صفوان في ضربه إياه، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يهب له ضربة صفوان إياه، فوهبها للنبي صلى الله عليه وسلم فعوضه عليها حائطا من نخل عظيم وجارية رومية. ثم باع حسان ذلك الحائط من معاوية في ولايته بمال عظيم، وقال حسان بن ثابت في براءة عائشة:
حصان رزان ما تزن بريبة
وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
خلية خير الناس دينا ومنصبا
نبي الهدى والمكرمات الفواضل
عقيلة حي من لؤي بن غالب
كرام المساعي مجدها غير زائل
مهذبة قد طيب الله خيمها
وطهرها من كل شين وباطل
فإن كان ما قد جاء عني قلته
فلا رفعت سوطي إلي أناملي
فكيف وودي ما حييت ونصرتي
لآل رسول الله زين المحافل
له رتب عال على الناس فضلها
تقاصر عنها سطوة المتطاول
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذين رموا عائشة فجلدوا جميعا ثمانين.
قوله تعالى: ﴿ إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم ﴾ وهم أربعة: حسان؛ ومسطح؛ وعبدالله بن أبي بن سلول؛ وحمنة بنت جحش. وقيل: العصبة من الواحد إلى الأربعين. والإفك في اللغة: الكذب.
قوله تعالى: ﴿ لا تحسبوه شرا لكم ﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر ولعائشة فيما لحقهم من الحزن والغم الشديد. والمعنى: لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم؛ لأنكم تؤجرون على ما قيل لكم من الأذى، وبما يكتب لكم من الثواب في الآخرة على الصبر، ولما بين الله من طهارة عائشة وبرائتها بآيات تتلى في المحراب إلى يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿ لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم ﴾؛ أي لكل أمرئ من الخائضين في هذا الأمر جزاء ما كسب من الإثم.
قوله تعالى: ﴿ والذي تولى كبره منهم ﴾؛ أي والذي تحمل معظمه فبدأ بالخوض فيه وهو عبدالله بن أبي هو الذي بالغ في إشاعة هذا الحديث، وكان أهل الحديث يجتمعون عنده ويسيقون ذلك بأمره، ﴿ له عذاب عظيم ﴾؛ يصغر في مقابلته كل عذاب يكون في الدنيا.
قرأ حميد الأعرج ويعقوب (كبره) بضم الكاف، قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأ لأن الكبر هو بضم الكاف في الولاء والسن، ومنه الحديث
" الولاء الكبر "
وروى ابن أبي مليكة عن عائشة قالت في حديث الإفك: (ثم ركبت وأخذ صفوان بالزمام، فمررنا بملإ من المنافقين، فقام عبد الله بن أبي بن سلول، فقال: من هذا؟ قالوا: عائشة، قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقودها. وشرع في ذلك حسان ومسطح وحمنة، ثم فشا ذلك في الناس). وقوله تعالى ﴿ له عذاب عظيم ﴾ يريد في الدنيا الجلد ثمانين جلدة، وفي الآخرة يصيره الله إلى النار.