سيدي العزيز: إني أقدم إليكم هذه الأسئلة ملتمسا الجواب عنها على صفحات
مناركم الأغر.
(أولا) رأيتكم قد أبنتم الشيخ محمود خطاب السبكي حتى ذكرتم من فضله
أنه كان من أنصار السنة، وأنه شرح سنن أبي داود فلا أدري أقلتم هذا بعد أن
اطلعتم على كتابه (إتحاف الكائنات) الذي ألفه في آخر عمره فقد أفعمه بتكفير من
يعتقد أن إلهه مستو على عرشه استواء يليق بجلاله، وأنه في سمائه دون أرضه،
وأنه موصوف بصفاته التي أثبتها لنفسه في كتابه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه
وسلم في صحيح سننه كاليدين والعينين، والساق والقدم، والنزول والضحك،
والتعجب والفرح والرضا والسخط، والغضب والغيرة، إلى غير ذلك من الصفات
المذكورة في القرآن وصحيح السنة، فحكم على كل من يعتقد شيئا من ذلك أنه كافر
حلال الدم والمال ونساؤه طوالق، وأولاده أولاد زنا وسفاح، ولا يخفاكم أن هذا
كان معتقد السلف حتى ظهر المتكلمون نفاة الصفات وحقائق الأسماء، فهل كانوا
كما قال الشيخ كفارا أولاد زنا؟ فإذا لم يكونوا كذلك فما حكم من يؤلف كتابا كهذا؟
أيستحق التأبين ونشر فضائله؟
(ثانيا) وصلت إلينا في أواخر رمضان رسالة من مصر لمؤلفها الشيخ
يوسف الدجوي نشرها أحد تلامذته عبد الرافع نصر قد أفظع فيها وأقذع من ذكر
مسائل منسوبة إليكم على زعمه نشهد بالله أنكم برآء من أكثرها وليست قاصرة
عليكم بل تناول فيها شيخ الإسلام ابن تيمية ونسب إليه أنه كان يخطب وذكر حديث
النزول ونزل درجتين من درج المنبر، وقال: ينزل ربنا كنزولي هذا، وتناول
فيها سيد الحفاظ شمس الدين الذهبي، وأنه كان يحكم على الأحاديث الصحيحة
بالوضع تحكما وتعسفا، حتى لو قيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء: 107) لقال: هذا حديث موضوع
إلى غير ذلك من الكلمات التي لا يجوز أن تنسب إلى أسفل طبقات العالم فضلا عن
حفاظ الإسلام وأئمته، وقد علقت عليها ما يمكنني، فهل هذه الرسالة وقعت بيدكم
حيث إنها مطبوعة في مصر سنة 1351 فإن كنتم قد رأيتموها ولا بد فلم لم أر لكم
كتابة عنها، وقد بلغني أنكم شرعتم في تأليف كتاب سميتموه المنار والأزهر فلا
أدري هل تم طبعه أم لا؟ أعانكم الله على نشره.
(ثالثا) قد اطلعت قريبا في كتاب الحاوي للفتاوى لمؤلفه الحافظ جلال الدين
السيوطي وقد طبع في مصر ذكر فيه رسالة سماها (القول الجلي في تطور الولي)
حاصلها أنه رفع إليه سؤال من رجل حلف بالطلاق الثلاث من زوجه أن الشيخ
عبد القادر أحد أولياء عصره كان بائتا عنده البارحة، وحلف آخر كذلك فأرسل هو
إلى الشيخ عبد القادر يسأله عن ذلك فقال: لو حلف أربعة أني كنت بائتا عند كل
منهم فلا يحنث، وأفتى السيوطي بعدم الحنث على أحد من الحالفين، واستند في
فتواه هذه إلى قول علاء الدين شارح الحاوي وتاج الدين السبكي والشيخ خليل
المالكي وغيره من الفقهاء.
وملخص أقوال هؤلاء: أن الولي يجوز أن يتشكل في عدة أجسام حتى إذا لم
يره أحد يحضر الجمع ولا الحج فلا ينكر عليه؛ لأنه إنما رأى جسما واحدا لم
يصل ولم يحج، وهذا لا ينافي أن الأجسام الأخر حجت وصلت وصامت. وروى
أحاديث تشهد له بذلك كرفع بيت المقدس إليه صلى الله عليه وسلم حتى نعته لقريش
ورؤيته للجنة في عرض الحائط فهل هذا صحيح؟ وهل نقل عن أحد من خير
القرون ذلك؟ وهل كل ما وقع على سبيل المعجزة لأحد من الأنبياء يجوز أن يقع
كرامة للأولياء؟ فإن قلتم: هذا صحيح فما وجه من ينكر على الحنفية فيما ذكروه
في ثبوت النسب من قولهم ولو تزوج رجل بالمشرق على امرأة بالمغرب ولم يعلم
أنه اتصل بها بسبب من الأسباب المعلومة فأتت بولد لستة أشهر نسب إليه لاحتمال
طي المسافة أو أنه زيد في ذكره حتى وصل إليها؟ وإن قلتم: إن مثل هذا من
خرافات بعض الفقهاء فأخبرونا عن مكانة السيوطي ودرجة علمه ومؤلفاته فهل