من أهلها. ولولا الفرق البعيد في درجات المدنية ما ساد هذا القليل على ذلك الكثير،
لا بل لم تظهر هذه النقطة على ذلك الغدير.
قالوا: ولما رأى هؤلاء العشرون رجلا ما أصابوا من الغنم في هذه الغزاة
أرسلوا إلى أسبانيا فوافاهم 100 رجل آخرون من ذؤبان الرجال، وممن يعتمد
عليهم في مثل هذا الأحوال، فاشتدت بعد ذلك وطأتهم وصالوا على جميع هاتيك
الجهات يثخنون في أهلها ويضربون عليهم الجزية ويقتادون ما يشاءون منهم بخزام
الذلة والصغار وساعدهم على ذلك ما كان فيه أهل تلك الأنحاء من اختلاف الكلمة
وتفرق الأجواء، فكان بعضهم يستعين بهم على بعض فعصفت ريحهم في هاتيك
الآفاق، وصاروا ينصرون بالرعب، وأصبح الفرد الواحد منهم لا يبالي أن يلاقي
ألفا. فما مضت بضع سنوات حتى صار لهم عدد من الأبراج والقلاع أهمها في
الجبال المسماة فراكسين توم Fraxinatum أو فراكسينه ولا تزال من بقايا آثارهم
فيها أبنية ماثلة وبيوت منحوتة في الجبال، وآبار محفورة في الصخور.
قال المؤرخ (رينو) السابق الذكر: وكان ذلك في أواخر القرن التاسع للمسيح،
ثم وصلوا إلى سلسلة جبال الألب الشهيرة، وسنة 906 أجازوا مضايق دوفينه وجبل
سينس واستولوا على نوفالس في حدود البيامون ونهبوا الأديرة التي هناك
وشردوا الرهبان وأثخنوا في الأهلين فاجتمع هؤلاء عليهم وأحاطوا بهم وأخذوهم
أسارى وشدوا أوثقتهم ووضعوهم في دير ماراندراوس فحطم هؤلاء الأسرى القيود
وأفلتوا وانقضوا على أعدائهم فهزموهم وأحرقوا الدير وقسما من المدينة وما زالوا
يعيثون ويشنون الغارات حتى انقطعت الطرق بين فرنسا وإيطاليا.
ثم يقول رينو: إن العرب استولوا على مقاطعة فالي وزحفوا إلى قلب بلاد
المريزون وصاقبوا بحيرة جنيف وتقدموا إلى بلاد الجورة في سويسرا Garu
وكانت سويسرا حينئذ من مملكة بورغنيه ففرت أم الملك كوبراد إلى برج منفرد في
نيوشاتل (إحدى ولايات سويسرا اليوم) ولما ضاق ذرع الأهالي جميعا بهؤلاء العرب
لا سيما أهل بروفنس وسويسرا وإيطاليا ثار هوغ كونت بروفانس وعزم أن يتولى كبر
هذه المسألة ويطرد العرب من تلك الديار ويستولي على معقلهم الأشم في فراكسينه
والمرسى الذي لهم في خليجها فاستنجد هوغ صهره صاحب القسطنطينية ليمده
بالأسطول وبالنار الإغريقية فحضر الأسطول وهاجم العرب من البحر بينما الأهالي
يهاجمونه من البر وضاق بالعرب الخناق فاعتصموا بالجبال وأعيا أمرهم هوغ فلم
يلبث أن صالحهم ولا سيما بعد أن رأى خصمه برانجر قام ينازعه الملك فاستقر أمر
هؤلاء وجعلوا يحرثون الأرض ويبنون ويغرسون وتزوجوا بنساء من البلاد ولبثوا
قابضين على بلاد الألب لا سيما ممر (سان برنار) (الشهير إلى الآن) وأقامت
منهم فئة بمدينة نيس وفيها حارة باسمهم إلى هذا اليوم.
وفي سنة 960 تمكن الأهالي من طرد العرب من سان برنار بعد معركة
شديدة وسنة 965 أجلوا عن (غرنوبل) وعن وادي (غريزي فودان) وبعد ذلك
اجتمعت عليهم جيوش عظيمة من كل صوب وهزموهم وقتلوا أكثرهم وتنصر
بعضهم ويظن أن فلهم فر إلى إفريقيا وأسبانيا وقد بقيت لهم قرى تنصر أهلها ومن
أبى منهم النصرانية صاروا عبيدا يشتلون في أراضي الأديرة وكان سقوط حصن
فراكسينة سنة 975 بعد أن أقاموا به أكثر من 80 سنة وسمعت من بعض من
يعرف أمور سويسرا أنه يوجد إلى اليوم قريتان في مقاطعة فالي Valee يركب
أهلها الخيول بسروج عربية ولهم عادات كثيرة خاصة بهم، وهم لا يتزوجون من
سائر الأهالي ولا يصاهرونهم.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) لا ندري ما يريد الكاتب من اكتساح رومية أحقيقة هو أم مجاز؟ فالعرب لم يفتحوها ولا سلبوها وهو أوسع منا اطلاعا على التاريخ.
(2) المنار: وهكذا تفعل العرب اليوم، كان المائة بعد العشرة يحتلون قلب أوروبا ويعيشون فيها أعزة وتستعين بهم أمم الفرنجة بعضها على بعض وهم اليوم مائة مليون ولكنهم أذلة في بلادهم ويستعين بعضهم على بعض بالأجانب كما يفعل ملك الحجاز وأولاده.