تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فدعاء غير الله كفر، بخلاف قول القائل: إني أسألك بجاه فلان الصالح. فإن هذا لم

يبلغنا من أحد من السلف إنه كان يدعو به.

ورأيت في فتاوى الفقيه الشيخ أبي محمد بن عبد السلام أنه لا يجوز ذلك في

حق غير النبي صلى الله عليه وسلم [4] ثم رأيت عن أبي حنيفة وأبي يوسف

وغيرهما من العلماء أنهم قالوا: لا يجوز الإقسام على الله بأحد من الأنبياء.

ورأيت في كلام الإمام أحمد أنه في النبي صلى الله عليه وسلم. لكن هذا قد يخرج

على إحدى الروايتين عنه في جواز الحلف به [5] .

وأما الصلاة عليه فقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى:

﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ (الأحزاب: 56) وفي الصحيح عنه أنه قال: (من صلى علي مرة صلى الله

عليه عشرا) وفي المسند: أن رجلا قال: يا رسول الله أجعل عليك ثلث

صلواتي؟ قال (يكفيك الله ثلث أمرك) فقال: أجعل عليك نصف صلواتي؟ قال:

(إذا يكفيك الله ثلثي أمرك) فقال: أجعل صلاتي كلها عليك؟ فقال (إذا يكفيك الله ما

أهمك من أمور دنياك وآخرتك) وقد ذكر العلماء وأئمة الدين الأدعية المشروعة،

وأعرضوا عن الأدعية المبتدعة فينبغي اتباع ذلك.

والمراتب في هذا الباب ثلاث: (إحداها) الدعاء لغير الله سواء كان المدعو

حيا أو ميتا، وسواء كان من الأنبياء عليهم السلام وغيرهم فيقال: يا سيدي فلان

أغثني، وأنا مستجير بك، ونحو ذلك. فهذا هو الشرك بالله. والمستغيث بالمخلوقات

قد يقضي الشيطان حاجته أو بعضها وقد يتمثل له في صورة الذي استغاث به

فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به وإنما هو شيطان أضله وأغواه لما أشرك بالله

كما يتكلم الشيطان في الأصنام وفي المصروع وغير ذلك. ومثل هذا واقع كثيرا

في زماننا وغيره، وأعرف من ذلك ما يطول وصفه في قوم استغاثوا بي أو بغيري

وذكروا أنه أتى شخص على صورتي أو صورة غيري وقضى حوائجهم فظنوا أن

ذلك من بركة الاستغاثة (بي) أو بغيري، وإنما هو شيطان أضلهم وأغواهم وهذا

هو أصل عبادة الأصنام واتخاذ الشركاء مع الله تعالى في الصدر الأول من القرون

الماضية كما ثبت، فهذا شرك بالله نعوذ بالله من ذلك.

(الثانية) أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لي

وادع لنا ربك، ونحو ذلك. فهذا مما لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع

التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة وأئمتها، وإن كان السلام على أهل القبور جائزا

ومخاطبتهم جائزة، كما كان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن

يقول قائلهم: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)

وقال ابن عبد البر: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من رجل

يمر بقبر رجل كان يعرفه فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام) .

وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من رجل

مسلم سلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام) .

لكن ليس من المشروع أن يطلب من الأموات شيئا. وفي الإمام مالك [6] أن

عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يقول: السلام عليك يا رسول الله،

السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبه، ثم ينصرف. وكذلك أنس بن مالك

وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، نقل عنهم السلام على النبي صلى الله عليه

وسلم، فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة يدعون الله تعالى لا يدعون وهم مستقبلو

القبر الشريف.

وإن كان قد وقع في ذلك بعض الطوائف من الفقهاء والمتصوفة ومن العامة

ممن لا اعتبار بهم، فإنه لم يذهب إلى ذلك إمام متبع في قوله ولا من له في الإمامة

لسان صدق. بل قد تنازع العلماء في السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال

أبو حنيفة: يستقبل القبلة ويستدبر القبر. وقال مالك والشافعي: بل يستقبل القبر،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٦٥