تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحركة العربية كذلك فأنا أخدم فيها كالجندي، قلت هذا بعد أن تلطف كل التلطف

في الثناء ورجاء المساعدة كما أشرت إلى ذلك في الرحلة حتى كان من تواضعه

ولطفه بعد ذكر خدمة المنار للإسلام أن قال في صاحبه: إنه أعلم منا بكل شيء،

فنحن نحتاج إلى علمه وسعة اختباره بإقامته بمصر كل هذه السنين في كل عمل نريده

في حكومتنا، وفصل ذلك تفصيلا أخجلني.

وعرفت الأمير عبد الله في الآستانة وكان أول كلامي معه تعريضا شديدا

بأمرائنا قابله بغاية اللطف والأدب، ثم ذكر اجتماعي به. وأترك وصف تواضعه

معي اقتداء بأدبه في التواضع.

وأما فيصل، فكان أول لقائي إياه وحديثي معه في بيروت بعد عودته الثانية

من أوربة حيث كان له ما يعلم الناس من علو المكانة، طلبت الخلوة به على ضيق

الوقت فسمح بها ليلا، فكان أول حديثي معه في السياسة بعد مجاملات اللقاء أن

ذكرت له بالاختصار رأيي في ثورتهم ومضارها من مبدئها إذ بنيت على الاتكال

على الأجنبي لا الاستقلال الصحيح ولا جمع الكلمة، إلى ما كان لها من سوء العاقبة

وأسباب ذلك، فلما وافقني على رأيي في سوء النتيجة والمقدمات، قلت له: إنني

أرجو أن تكونوا قد استفدتم بالاختبار ما ينهض بهمتكم إلى تلافي هذه الأخطار،

ولذلك طلبت الخلوة بكم لأقف على خطتكم الجديدة، فإن وافقت رأيي كنت مساعدا

لها على قدر طاقتي، وإلا كنت مقاوما لها على ضعفي، ولا أراكم تستكبرون مني

كلمة المقاومة لأنني لست أميرا فقد قاومت السياسة الحميدية على عظمتها وخضوع

الرقاب لها ولم أكن أميرا، فقابل قولي - على خشونته - الذي أوجبته المصلحة

والإخلاص في النصيحة باللطف والثناء والرجاء في التعاون والاتفاق، ثم إنه ألح

علي بالذهاب معه إلى الشام لأجل التعاون على العمل فوعدته بأن أتبعه ووفيت،

وكنت قبل الاشتغال بالمؤتمر أول من يخلو به صبيحة كل يوم للحديث والتشاور في

المسألة السورية والمسألة العربية وقد بينت له رأيي فيما يجب من العمل في المسألة

العربية قولا ثم كتابة، فاستحسنه جد الاستحسان ووعد بأن يفرغ ما في وسعه في

سبيله، ولو كنت ممن يسعون إلى أخذ المال والتحف لكنت أقدر على استدرار

تلك الكف الواكفة كالسحاب بغير حساب ولا تفرقة بين المستحق وغيره من

العفاة والطلاب، وإذ كان يعلم أنني لا أطلب ولا أقبل عطاء زين له جوده أن

يحتال لتقديم هدية يخلق لها مناسبة فألح علي بأن أستأجر دارا؛ لأن طول الإقامة

في الفندق غير لائق، وقال مرارا: عليك الدار وعلينا فرشها، فاستأجرت دارا

واستحضرت لها فرشا من بلدتي طرابلس الشام بعد أن بلغته بنفسي وبعدة وسائط منها

رئيس أمنائه إحسان بك الجابري عدم القبول، وقد اختلفنا غير مرة في المسائل

السورية حتى تغاضبنا وكان كل منا سريع الفيء لا نلبث أن نعود إلى ما كنا عليه من

صفاء المعاشرة التي كان يفضلني فيها ويفضل أكثر الناس أدبا ولطفا وتواضعا حتى

كان الخلاف الأخير الذي انتهى بمقاطعتي له بعد تعطيل المؤتمر، على أنني لما

علمت أن الفرنسيس آذنوه بوجوب الخروج من دمشق لم أر بدا من توديعه، وقد

أعرض عنه المتملقون فكنت آخر من ودعه ليلا على قلتهم، وأفضل ما أذكره له من

ولاء بعد جفاء أنه كاشفني بكل ما في نفسه وما ينويه من سعي وعمل، فقلت له: يا

مولاي إن مثل هذا لا يجوز أن يتحدث به، فقال: إنني والله لم أذكره لأحد سواك ولا

لأخي زيد. أفليست هذه الثقة منه يجب أن أعدها له إن لم يعدها أو يمنها هو علي؟

بلى، ولأجلها لقيته وكررت الزيارة إذ جاء مصر عائدا من أوربة راجيا أن أستفيد نبأ

منه، وأتوسل إلى ما يجب من النصيحة له، فلم أسمع نبأ يبعث على الارتياح في

مصلحتنا العامة، وصرح لي بأنه سيطلبني إلى العراق للعمل معه، ولو كنت أعمل

للمنفعة الشخصية كما يعمل الكثيرون لكانت مجاراة الملك فيصل في ظل بريطانية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٣٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٣٥١