تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.50

وقول الحق ﴿ انظر ﴾ [النساء: 50] هي أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل خطاب لرسول الله هو خطاب لأمته، وعرفنا من قبل أن " الافتراء ": كذب متعمد ﴿ يفترون على الله الكذب ﴾ [النساء: 50] في قولهم عندما أرادوا أن يزكوا أنفسهم:

نحن أبناء الله وأحباؤه..

[المائدة: 18]. وقولهم:

وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى..

[البقرة: 111]. ﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا ﴾ [النساء: 50]، لماذا؟ لأنك إن تكذب على مثلك ممن قد يصدقك فهذا معقول، لكن إن تكذب على إله فهذه قحة لذلك قال الحق: ﴿ وكفى به إثما مبينا ﴾ [النساء: 50]. إذن: فالكذب مطلقا هو إثم والكذب المبين: هو الكذب على الله، والمهم أنه لم يفدك. ثم يقول الحق بعد ذلك: ﴿ ألم تر إلى الذين... ﴾.

4.51

قوله: ﴿ أوتوا نصيبا من الكتاب.. ﴾ [النساء: 51] يعني عندهم صلة وعلاقة بالسماء وبالرسل، وبالكتب المنزلة من السماء على الرسل التي تحمل مناهج الله، ولو كانوا أناسا ليس لهم مثل هذا الحظ لكان كلامهم هذا معقولا لانقطاع أسباب السماء عنهم. إنما هؤلاء عندهم نصيب من الكتاب، وأولى مهمات الكتب السماوية أن تربط المخلوق بالخالق، وربط المخلوق بالخالق هو ترتيب لقدرات المخلوق وتنميتها لأن أسباب الله في الكون قد تعز عليك، وقد تقفر يدك منها. فإذا لم يكن لك إله تلجأ إليه عند عزوف الأسباب انهرت، وربما فارقت حياتك منتحرا، لكن المؤمن بالله ساعة تمتنع عنه أسبابه يقول: لا تهمني الأسباب، لأن عندي المسبب. إذن: فالإيمان بالله يعطيك قوة. والإيمان بالله يقف المؤمنين على أرض صلبة، فمهما عزت أسبابك وانتهت فاذكر المسبب. وحين تذكر المسبب تجد آفاق حياتك رحبة، فالذين ينتحرون إنما يفعلون ذلك لأن الأسباب ضاقت عليهم، وعلموا أنه لا مناص من أنهم في عذاب. لكن المؤمن يقول: يا رب، ومجرد أنه يقول: يا رب، فهذا قول يريحه حتى قبل أن يجاب لأنه التفت إلى مسبب الأسباب حين عزت عليه الأسباب. وساعة يلتفت إلى مسبب الأسباب عند امتناع الأسباب فهو يأخذ قوة الإيمان من حيث لا يحتسب، إنك بمجرد أنك قلت: يا رب تجد نفسك قد ارتاحت لأنك وصلت كل كيانك بالخالق، وكيانك منه ما هو مقهور لك، ومنه ما هو غير مقهور لك. والكيان نفسه سيأتي في الآخرة ويشهد على الإنسان. ستشهد الأرجل والجلود وغيرها من الأبعاض. لأنها في الدنيا كانت مقهورة لإرادتي، أنا أقول ليدي: افعلي كذا، ولرجلي: اسعي لكذا، وللساني: سب فلانا، فالله سخر الجوارح وأمرها: يا جوارح أنت خاضعة لإرادة صاحبك في الدنيا. لكن في يوم القيامة أيكون لي إرادة على جوارحي؟ لا، ستتمرد علي جوارحي:

وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء..

[فصلت: 21]. وتقول الجوارح لنا: أنتم استخدمتمونا في الدنيا وحملتمونا أن نفعل أشياء نحن نكرهها، فدعونا اليوم لنشهد، إنها تخرج أسرارها لأن الملك الآن للواحد القهار:

لمن الملك اليوم لله الواحد القهار

[غافر: 16]. انتهت سيطرة الإنسان وليس لأحد غير الله إرادة على الأبعاض. إذن: فالنصيب من الكتاب هو أول شيء يربط المخلوق بالخالق، فإذا ارتبط المخلوق بالخالق قويت أسبابه، ويستقبل الأحداث بثبات، ويأتيه فرج ربنا، وعندما نقرأ القرآن يجب أن نلتفت إلى اللقطات العقدية فيه، فقد عرفنا مثلا: أن سيدنا موسى عندما أراد أن يأخذ بني إسرائيل من فرعون ويخرج بهم، وقبل أن يصل بهم إلى البحر تنبه لهم قوم فرعون وجاءوا بجيوشهم، وكان قوم فرعون من ورائهم والبحر من أمامهم، فقال قوم موسى إيمانا بالأسباب:

إنا لمدركون

[الشعراء: 61]. بالله أأحد يكذب هذه المقولة؟! لا، فماذا قال موسى عليه السلام؟ لم يقل مثلما قال قومه، ولكنه نظر للمسبب الأعلى فقال بملء فيه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٩٤