4.57
وفي هذه الآية يصف الحق ثواب الفئة المقابلة للفئة السابقة وهم الذين آمنوا، ونعلم أن آخر موكب من مواكب الرسالة هو رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. إذن فأمة سيدنا محمد هي أقرب الأمم إلى لقاء الله. فالأمم من أيام آدم أخذت زمنا طويلا، لكننا نحن المسلمين قريبون، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
" بعثت أنا والساعة كهاتين ".
ولذلك لم يقل الحق في هذه الآية: سوف ندخلهم. بل قال: ﴿ سندخلهم.. ﴾ [النساء: 57]، أما مع الآخرين فاستخدم سبحانه " سوف " لأنها بعيدة، أو أن هذا كناية وإشارة من الله لإمهال الكفار ليتوبوا، وعندما يقرب لنا سبحانه المسافة فإنه يغرينا بالطاعة، المسألة ليست بعيدة، بل قريبة لذلك يعبر عنها: ﴿ سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار.. ﴾ [النساء: 57]. إن كلمة " الجنة " مأخوذة من " الجن " ، والستر، و " الجنة " هي البستان الذي به شجر إذا سار فيه الإنسان يستره، وهو غير البساتين الزهرية التي تخرج زهرا قريبا من الأرض تمثل ترفا للعيون فقط، أما الجنة ففيها أشجار عالية كثيفة بحيث لو سار فيها أحد يستر، ففيها الاقتيات وفيها كل شيء، فهي تسترك عن أن تلتفت إلى غيرها لأن فيها ما يكفيك، فالذي عنده حاجة لا تكفيه يتطلع إلى ما يكفيه، لكن من عنده حاجة تكفيه فقد انستر عن بقية الوجود، والحق سبحانه وتعالى يعطينا صورة عن شيء هو الآن عنا غيب، وسيصير بإذن الله وبمشيئته مشهدا، ونحن نعرف أن الجنة بها كل ما تتمناه النفس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل:
" أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر "
مصداق ذلك في كتاب الله
فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا يعملون
[السجدة: 17]. ونعلم أن الكائنات الوجودية يعرفها الإنسان بما يناسب إدراكه.. فقال:
" ما لا عين رأت ولا أذن سمعت "
، والعين حين ترى تكون محدودة، لكن السمع دائرته أوسع من الرؤية، لأنه سيسمع ممن رأى، إنه سمع فوق ما رأى، إذن: فدائرة الإدراكات تأتي أولا: بأن يرى الإنسان، ثم بأن يسمع، وهو يسمع أكثر مما يرى، وعلى سبيل المثال قد أرى أسوان لكنني أسمع عن أمريكا، فدائرة السماع أوسع. وبعد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
" ولا خطر على قلب بشر "
أي أن ما في الجنة أكبر من التخيلات، إذن: فكم صفة هنا للجنة؟ الأولى قوله: ما لا عين رأت. والعين مهما رأت فدائرتها محدودة، والثانية: قوله: ولا أذن سمعت.
والأذن إن سمعت فدائرتها أوسع قليلا. والثالثة: قوله: ولا خطر على قلب بشر، وهذا أوسع من التخيلات، فإذا كنت يا حق سبحانك ستعطينا في الجنة: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فبأي الألفاظ يا ربي تؤدي لنا هذه الأشياء، وألفاظ اللغة إنما وضعت لمعان معروفة، وما دمت ستأتي بحاجة لم ترها عين، ولم تسمعها أذن ولم تخطر على قلب بشر، فأي الألفاظ ستؤدي هذه المعاني؟ لقد أوضح صلى الله عليه وسلم: أنه لا توجد ألفاظ لأن المعنى يعرف أولا ثم يوضع له اللفظ، فكل لفظ وضع في اللغة معروف أن له معنى، لكن ما دامت الجنة هذه لم ترها عين، ولم تسمعها أذن، ولم تخطر على قلب بشر، فلا توجد كلمات تعبر عنها، لذلك لم يقل صلى الله عليه وسلم: إن الجنة هكذا بل قال:
مثل الجنة..
[محمد: 15] أما الجنة نفسها، فليس في لغتنا ألفاظ تؤدي هذه المعاني، وحيث إن هذه المعاني لا رأتها عين ولا سمعتها أذن ولا خطرت على قلب بشر لذلك فليس في لغة البشر ما يعطينا صورة عن الجنة، وأوضح الحق سبحانه: سأختار أمرا هو أحسن ما عندكم وأعطيكم به مثلا فقال:
مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من مآء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم..