تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن فساعة شرع الله التوبة سد على الناس باب " الفاقدين " الذين يفعلون ذنبا ثم يستمرون فيه، ومع ذلك فسبحانه حين تاب على العاصي رحم من لم يعص إنه القائل: ﴿ إن الله كان توابا رحيما ﴾ [النساء: 16] ولو قال الحق إنه تواب فقط لأذنب كل واحد منا لكي يكون الوصف معه وقائم به لا محالة، ولكنه أيضا قال: ﴿ توابا رحيما ﴾ [النساء: 16] أي أنه يرحم بعضا من خلقه فلا يرتكبون أي معصية من البداية. فالرحمة ألا تقع في المعصية. وبعد ذلك يشرع الحق سبحانه وتعالى للتوبة: ﴿ إنما التوبة على الله للذين... ﴾

4.17

ولنلتفت إلى دقة الأداء القرآني، هو سبحانه يقول: ﴿ إنما التوبة على الله.. ﴾ [النساء: 17] وقد يقول واحد: ما دام الحق شرع التوبة، فلأفعل ما أريد من المعاصي وبعد ذلك أتوب. نقول له: إنك لم تلتفت إلى الحكمة في إبهام ساعة الموت، فما الذي أوحى لك أنك ستحيا إلى أن تتوب؟ فقد يأخذك الموت فجأة وأنت على المعصية، وعليك أن تلتفت إلى دقة النص القرآني: ﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ﴾ [النساء: 17]. وفعل السوء بجهالة، أي بعدم استحضار العقوبة المناسبة للذنب، فلو استحضر الإنسان العقوبة لما فعل المعصية. بل هو يتجاهل العقوبة لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ".

فلو كان إيمانه صحيحا ويتذكر تماما أن الإيمان يفرض عليه عدم الزنى، وأن عقوبة الزنى هي الجلد أو الرجم، لما قام بذلك الفعل. والحق قد قال: ﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب.. ﴾ [النساء: 17] فهناك من يفعل المعصية ويخطط لها ويفرح بها ويزهى بما ارتكب ويفخر بزمن المعصية، وهناك من تقع عليه المعصية وبمجرد أن تنتهي يظل نادما ويضرب نفسه ويعذبها ويتساءل لماذا فعلت ذلك؟ وأضرب مثلا للتمييز بين الاثنين، نجد اثنين يستعد كل منهما للسفر إلى باريس، واحد منهما يسأل قبل سفره عن خبرة من عاشوا في عاصمة فرنسا، ويحاول أن يحصل على عناوين أماكن اللهو والخلاعة، وما إن يذهب إلى باريس حتى ينغمس في اللهو وعندما يعود يظل يفاخر بما فعل من المعاصي. وأما الآخر فقد سافر إلى باريس للدراسة، وبينما هو هناك ارتكب معصية تحت إغراء وتزيين، إذن هو إنسان وقعت عليه المعصية ودون تخطيط، وبعد أن هدأت شرة الشهوة غرق في الندم، وبعد أن عاد استتر من زمن المعصية. هكذا نرى الفارق بين المخطط للمعصية وبين من وقعت عليه المعصية. والله سبحانه حين قدر أمر التوبة على خلقه رحم الخلق جميعا بتقنين هذه التوبة، وإلا لغرق العالم في شرور لا نهاية لها، بداية من أول واحد انحرف مرة واحدة فيأخذ الانحراف عملا له، والمهم في التائب أن يكون قد عمل السوء بجهالة، ثم تاب من قريب. والرسول صلى الله عليه وسلم حين حدد معنى ﴿ من قريب.. ﴾ [النساء: 17] قال: إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. والحوار الذي دار بين الحق وبين إبليس:

قال رب بمآ أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين

[الحجر: 39-40]. إن إبليس قال ذلك وظن أنه سيهلك البشر جميعا ويوقعهم في المعصية إلا عباد الله الذين اصطفاهم وأخلصهم له، لكن الله - سبحانه - خيب ظنه وشرع قبول توبة العبد ما لم يغرغر، لم يصل إلى مرحلة خروج الروح من الجسد. فإذا ما قدم العبد التوبة لحظة الغرغرة فماذا يستفيد المجتمع؟ لن يستفيد المجتمع شيئا من مثل هذه التوبة لأنه تاب وقت ألا شر له لذلك فعلى العبد أن يتوب قبل ذلك حتى يرحم المجتمع من شرور المعاصي. ﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة.. ﴾ [النساء: 17] هل يتوب أولا، ثم يتوب الله عليه؟ أنه سبحانه يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨٨٥