تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: كيف أصبحت يا حارث؟ فقال: أصبحت مؤمنا حقا. قال: " انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ فقال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني انظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. فقال: " يا حارث عرفت فالزم، ثلاثا ".

ولنا العبرة في سيدنا حذيفة - رضي الله عنه - حينما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: كيف أصبحت؟ أي: كيف حالك الإيماني؟ قال حذيفة: يا رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ومدرها - أي أن الذهب تساوي مع الحصى، هذه هي مسألة الدنيا - وأضاف حذيفة: وكأني أنظر أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل النار في النار يعذبون. وساعة لا تغيب عن بال سيدنا الحارث صورة الآخرة، فهو يسير في الحياة مستقيما، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:

" عرفت فالزم ".

الحق سبحانه وتعالى حين يذكر لنا بعض الأحكام يذكر لنا أيضا خبر بعض الناس الذين يتمردون على الأحكام، ثم يذكرنا بحكاية الجنة والنار ولذلك يقول لنا: ﴿ إن الذين كفروا... ﴾.

4.56

و ﴿ نصليهم.. ﴾ [النساء: 56] من الاصطلاء، قد يقول قائل: ما دام يصلى النار وكلنا يعرف أن نار الدنيا حين تحرق شيئا ينتهي إلى عدم، وحين ينتهي إلى عدم إذن: فلا يوجد ألم! ونقول: لتنتبه إلى أن الحق سبحانه وتعالى يقول في هذا الأمر ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ [النساء: 56] إذن فالعذاب ليس كنار الدنيا، لأن نار الدنيا تحرق وتنتهي المسألة، أما نار الآخرة فإنها عذاب سرمدي دائم مكرر ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب.. ﴾ [النساء: 56]، فإذا ما حرقت الجلود فإن جلودا أخرى ستأتي، أهي عين الأولى أم غيرها؟ وحتى أوضح ذلك: أنت عندما يكون عندك خاتم مثلا، ثم تقول: أنا صنعت من الخاتم خاتما آخر، فالمادة واحدة أيضا، فهل التعذيب للجلود أو للأعضاء؟ إن العذاب دائما للنفس الواعية، بدليل أن الإنسان قد يصيبه ورم فيه بعض الصديد " دمل " يتعبه ولا يقدر على ألمه، وبعد ذلك يغفل فينام، بمجرد أن ينام فلا ألم. لكن عندما يستيقظ يتألم من جديد. إذن: فالألم ليس للعضو بل للنفس الواعية، بدليل أننا عندما ارتقينا في الطب، قلنا إن النفس الواعية نستطيع أن نخدرها بحيث يحدث الألم ولا تشعر به، ويفتح " الدمل " بالمشرط ولا يحس صاحبه بأي ألم. وهكذا تجد أن الجلود والأعضاء ليس لها شأن بالعذاب، إنما هي موصلة للمعذب، والمعذب هي النفس الواعية، بدليل أنها ستشهد علينا يوم القيامة، تشهد الجلود والجوارح، وستكون آلة لتوصيل العذاب ومسرورة لأنها توصل لهم العذاب. إنه نظام إلهي فلا تتعجبوا من القرآن، فإن العلم كلما تقدم هدانا إلى شيء من آيات الله في الكون. أنتم الآن تخدرون النفس الواعية وتشقون الجسد بالمشارط كما يحلو لكم فلا يحدث له ألم، وعرفتم أن الألم ليس للعضو، إنما الألم للنفس الواعية، إذن فكل الجوارح هي آلات توصل الألم للنفس الواعية، وتكون مسرورة لأن النفس الواعية تعذب، وهذه يشبهونها - مثلا - بواحد عنده " حكة " في جلده، فيهرش، والهرش يسيل دمه فيكون مستلذا. إذن: فقوله: ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب.. ﴾ [النساء: 56] أي: أن الجلود تبدل وتنشأ جلود أخرى من نفس مادتها توصل العذاب للنفس الواعية، وهكذا. ﴿ إن الذين كفروا بآيتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما ﴾ [النساء: 56]. نحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى أنزل كتابا هو القرآن، وجعله معجزة ومنهجا، وهذه هي الميزة التي امتاز بها الإسلام. فمنهج الإسلام هو عين المعجزة، وكل رسول من الرسل كان منهجه شيئا ومعجزته كانت شيئا آخر.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٠٢