4.76
وعرفنا أن الطاغوت هو: المبالغ والمسرف في الطغيان، ويطلق على المفرد وعلى المثنى، وعلى الجمع: فتقول: رجل طاغوت، رجلان طاغوت، رجال طاغوت، والحق يقول:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت..
[البقرة: 257]. إذن فالطاغوت يطلق على المفرد وعلى المثنى وعلى الجمع، وهل الطاغوت هو الشيطان؟. يصح، أهو الظالم الجبار الذي يطغيه التسليم له بالظلم؟ يصح، أهو الذي يفرض الشر على الناس فيتقوا شره؟ يصح، وكل تلك الألوان اسمها " الطاغوت ". والأسلوب القرآني يتنوع فيأتي مرة ليقول:
قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة..
[آل عمران: 13]. وانظر للمقابلة هنا: ﴿ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت.. ﴾ [النساء: 76]، هنا ﴿ آمنوا.. ﴾ [النساء: 76] و ﴿ كفروا.. ﴾ [النساء: 76] وهنا أيضا في ﴿ سبيل الله.. ﴾ [النساء: 76] و ﴿ في سبيل الطاغوت.. ﴾ [النساء: 76] هذه مقابل تلك. لكي نعرف العبارات التي ينثرها ربنا سبحانه وتعالى علينا أن ندرك فيها الخطفة الإعجازية، قال في هذه الآية: ﴿ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا.. ﴾ [النساء: 76] مقابلات لأن الكافر مفهوم أنه طاغوت، ولكن: إذا ذكرت في الثانية مقابلا لمحذوف من الأولى، أو حذفت من الأولى مقابلا من الثانية، هذا يسمونه في الأسلوب البياني احتباكا كيف؟ ها هوذا قوله سبحانه وتعالى:
قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة..
[آل عمران: 13] أي تقاتل في سبيل الطاغوت، ويقابلها الفئة التي تقاتل في سبيل الله ولا بد أن تكون مؤمنة. إذن فالكلام كله منسجم، فقال:
قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة..
[آل عمران: 13] وترك صفتها كمؤمنة وقال:
تقاتل في سبيل الله..
[آل عمران: 13] وسنعرف على الفور أنها مؤمنة، وربنا يحرك عقولنا كي لا يعطينا المسائل بوضوح مطلق بل لنعمل فكرنا، كي لا يكون هناك تكرار، ولكي تعرف أنه إذا قال:
في سبيل الله..
[آل عمران: 13] يعني مؤمنا، وإذا قال: ﴿ في سبيل الطاغوت.. ﴾ [النساء: 76] يكون كافرا. ويتابع الحق: ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان.. ﴾ [النساء: 76]. أي نصراء الشيطان الذين ينفخون في مبادئه، والذين ينصرون وسوسته في نفوسهم ليوزعوها على الناس، هؤلاء هم أولياء الشيطان لأن الشيطان - كما نعرف - حينما حدث الحوار بينه وبين خالقه. قال:
قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين
[ص: 82]. لكنه عرف حدوده ولزمها فقال:
إلا عبادك منهم المخلصين
[ص: 83]. أي أن من تريده أنت يا رب لا أقدر أنا عليه. وهذه تدلنا على أن المعركة ليست بين إبليس وبين الله، فتعالى الله أن يدخل معه أحد في معركة، بل المعركة بين إبليس وبين الخائبين من الخلق، فعندما قال:
فبعزتك لأغوينهم أجمعين
[ص: 82] دل على أنه عرف كيف يقسم ويحلف لأن ربنا لو أراد الناس كلهم مؤمنين لما قدر الشيطان أن يقرب من أحد، لكن ربنا عزيز عن خلقه، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ومن هنا دخل الشيطان، فالشيطان قد دخل من عزتك على خلقك سبحانك لأنك لو كنت تريدهم كلهم مؤمنين لما استطاع الشيطان شيئا، بدليل قوله:
إلا عبادك منهم المخلصين
[ص: 83] أي أنا لا أقدر عليهم. ودل قسم الشيطان أنه دارس ومنتبه لمسألة دخوله على العباد فقال:
لأقعدن لهم صراطك المستقيم
[الأعراف: 16]. إذن فالشيطان لن يأتي على الصراط المعوج لأن الذي يسير على الصراط المعوج والطريق الخطأ لا يريد شيطانا فهو مريح للشيطان، ويعينه على مهمته، فيكون وليه. فأولياء الشيطان هم كل المخالفين للمنهج، وهم نصراء الشيطان. والحق يأمرنا: ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان ﴾ [النساء: 76]. هؤلاء الذين بينهم وبين الشيطان ولاء، هذا ينصر ذاك، وذاك ينصر هذا، ويطمئننا الحق على ذلك فيقول: ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفا ﴾ [النساء: 76] لأن الشيطان عندما يكيد سيكون كيده في مقابل كيد ربه، فلا بد أن يكون كيده ضعيفا جدا بالقياس لكيد الله، وليس للشيطان سلطان يقهر قالب الإنسان على فعل، ولا يستطيع أن يرغمك على أن تفعل، وليس له حجة يقنعك بها. والفرق بين من يكره القالب - قالبك -: أنك تفعل الفعل وأنت كاره، كأن يهددك ويتوعدك إنسان ويمسك لك مسدسا ويقول لك: اسجد لي - مثلا - إذن فقد قهر قالبك. لكن هل يقدر أن يقهر قلبك ليقول: " أحبني "؟. لا يمكن، إذن فالمتجبر يستطيع أن يكره القالب لكنه لا يقدر أن يقهر القلب، فالذي يقهر القلب هو الحجة والبرهان، بذلك يقتنع أن يفعل الفعل وليس مرغما عليه. إذن فالأول يكون قوة، والثاني يكون حجة. والحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: اعرفوا أن هذا الشيطان ضعيف جدا، فهو لا يملك قوة أن يرغمك فإذا أغواك تستطيع أن تقول له: لن أفعل، ولا يستطيع أن يأتي لقلبك ويقول لك: لا بد أن تفعل ويحملك على الفعل قهرا عنك. فليس عنده حجة يقنعك بها لتفعل، فهو ضعيف، فلماذا تطيعونه إذن؟. إنكم تطيعونه من غفلتكم وحبكم للشهوة، والشيطان لا يقهر قلبكم، ولا يقهر قالبكم. بل يكتفي أن يشير لكم!!، ولذلك سيقول الشيطان في حجته يوم القيامة على الخلق: