تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.83

الحق سبحانه وتعالى يربي الأمة الإيمانية على أسلوب يضمن ويؤمن لهم سرية حركتهم خاصة أنهم قوم مقبلون على صراع عنيف ولهم خصوم أشداء، فيريبهم على أن يعالجوا أمورهم بالحكمة لمواجهة الجواسيس. فيقول: ﴿ وإذا جآءهم أمر.. ﴾ [النساء: 83]. أي إذا جاءهم خبر أمر من الأمور يتعلق بالقوم المؤمنين أو بخصومهم، وعلى سبيل المثال: يسمعون أن النبي عليه الصلاة والسلام سيخرج في سرية إلى المنطقة الفلانية، وقبيلة فلان تنتظره كي تنضم إليه، وعندما يسمع الضعاف المنافقون هذا الخبر يذيعونه، فيحتاط الخصوم بمحاصرة القبيلة التي وعدت الرسول أن تقاتل معه كي لا تخرج، أو يقولون مثلا: إن النبي سيخرج ليفعل كذا فيذيعوا أيضا هذا الخبر! فأوضح لهم الحق: لا تفعلوا ذلك في أي خبر يتعلق بكم كجماعة ارتبطت بمنهج وتريد لهذا المنهج أن يسيطر لأن هذا المنهج له خصوم. إياكم أن تسمعوا أمرا من الأمور فتذيعوه قبل أن تعرضوه على القائد وعلى من رأى القائد أنهم أهل المشورة فيه، فقوله: ﴿ وإذا جآءهم أمر من الأمن.. ﴾ [النساء: 83] يقصد به أن المسألة تكون في صالحهم ﴿ أو الخوف.. ﴾ [النساء: 83] أي من عدوهم ﴿ أذاعوا به.. ﴾ [النساء: 83]. كلمة " أذاعه " غير كلمة " أذاع به " ، ف " أذاعه " يعني " قاله " ، أما " أذاع به " فهي دليل على أنه يقول الخبر لكل من يقابله، وكأن الخبر بذاته هو الذي يذيع نفسه، فهناك أمر تحكيه وتنتهي المسألة، أما " أذاع به " فكأن الإذاعة مصاحبة للخبر وملازمة له تنشره وتخرجه من طي محدود إلى طي غير محدود، أو من آذان تحترم خصوصية الخبر إلى آذان تتعقب الخبر، ثم يقول: ﴿ ولو ردوه إلى الرسول.. ﴾ [النساء: 83] فالرسول أو من يحددهم الرسول صلى الله عليه وسلم هم الذين لهم حق الفصل فيما يقال وما لا يقال: ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم.. ﴾ [النساء: 83] والاستنباط مأخوذ من " النبط " وهو ظهور الشيء بعد خفائه، واستنبط أي استخرج الماء مجتهدا في ذلك والنبط هو أول مياه تخرج عند حفر البئر فنقلت الكلمة من المحسات في الماء إلى المعنويات في الأخبار، وصرنا نستخدم الكلمة في المعاني، وكذلك في العلوم. مثلما تعطي الطالب مثلا تمرينا هندسيا، وتعطيه معطياته، ثم يأخذ الطالب المعطيات ويقول بما أن كذا = كذا.. ينشأ منه كذا، فهو يستنبط من موجود معدوما. وهنا يوضح الحق لهم: إذا سمعتم أمرا يتعلق بالأمن أو أمرا يتعلق بالخوف، فإياكم أن تذيعوه قبل أن تعرضوه على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تعرضوه على أولياء الأمر الذين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم بعض السلطة فيه لأنهم هم الذين يستنبطون.

هذا يقال أو لا يقال. ويقول الحق: ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ﴾ [النساء: 83] كأنهم أذاعوا بعض أحداث حدثت، لكنهم نجوا منها بفضل من الله سبحانه وتعالى وبعض إلهاماته فكان مما أذاعوا به ما حدث عندما عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم - العزم على أن يذهب إلى مكة فاتحا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورى بغيرها أي أنه لا يقول الوجهة الحقيقية كي يأخذ الخصوم على غرة، وعندما يأخذ الخصوم على غرة يكونون بغير إعداد، فيكون ذلك داعيا على فقدانهم قدرة المقاومة. وانظروا إلى الرحمة فيما حدث في غزوة الفتح، فقد أمر رسول الله المسلمين بالتجهيز لغزو مكة حتى إذا ما أبصر أهل مكة أن رسول الله جاء لهم بجنود لا قبل لهم بها يستكينون ويستسلمون فلا يحاربون وذلك رحمة بهم. وكان " حاطب بن أبي بلتعة " قد سمع بهذه الحكاية فكتب كتابا لقريش بمكة، وأخذته امرأة وركبت بعيرها وسارت. وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلى ومن معه وقال لهم: إن هناك امرأة في روضة خاخ معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بقدومنا إلى مكة، فذهبوا إلى الظعينة فأنكرت، فهددها سيدنا علي وأخرج من عقاصها - أي من ضفائر شعرها - الكتاب، فإذا هو كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش، فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا وقال له: أهذا كتابك؟. قال: نعم يا رسول الله، فقال: وما دعاك إلى هذا؟ قال: والله يا رسول الله لقد علمت أن الله ناصرك، وأن كتابي لن يقدم ولن يؤخر. وأنا رجل ملصق في قريش ولم أكن من أنفسهم ليس لي بها عصبية ولي بين أظهرهم ولد وأهل فأحببت أن أتقدم إلى قريش بيد تكون لي عندهم يحمون بها قرابتي وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال له النبي: قد صدقت. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يبني القضايا الإيمانية وخاصة ما يتعلق بأمر المؤمنين مع أعدائهم على الصدق، ولا يستقيم الأمر أن يفشي ويذيع كل واحد الكلام الذي يسمعه، بل يجب أن يردوا هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر لأنهم هم الذين يستنبطون ما يناسب ظرفهم من الأشياء، ربما أذنوا لكم في قولها، أو أذنوا بغيرها إذا كان أمر الحرب والخداع فيها يستدعي ذلك. وهذا يدل على أن الحق سبحانه وتعالى وإن كان قد ضمن النصر والغلبة لهم وأوضح: أنا الوكيل وأنا الذي أنصر ولا تهابوهم، إلا أنه سبحانه يريد أن يأخذ المؤمنون بالأسباب، وبكفايتهم به على أنه هو الناصر.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٦٩