تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.19

وقلنا: ساعة ينادي الحق عباده الذين آمنوا به يقول سبحانه: ﴿ يا أيها الذين آمنوا.. ﴾ [النساء: 19]، فمعناها: يا من آمنتم بي بمحض اختياركم، وآمنتم بي إلها له كل صفات العلم والقدرة والحكمة والقيومية، ما دمتم قد آمنتم بهذا الإله اسمعوا من الإله الأحكام التي يطلبها منكم. إذن فهو لم يناد غير مؤمن وإنما نادى من آمن باختياره وبترجيح عقله فالحق يقول:

لا إكراه في الدين..

[البقرة: 256]. يريد الحق سبحانه وتعالى أن يعالج قضية تتعلق بالنساء وباستضعافهم. لقد جاء الإسلام والنساء في الجاهلية في غبن وظلم وحيف عليهن. - وسبحانه - قال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها.. ﴾ [النساء: 19] وكلمة " ورث " تدل على أن واحدا قد توفي وله وارث، وهناك شيء قد تركه الميت ولا يصح أن يرثه أحد بعده لأنه عندما يقول: ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا.. ﴾ [النساء: 19]، فقد مات مورث ويخاطب وارثا. إذن فالكلام في الموروث، لكن الموروث مرة يكون حلا، ولذلك شرع الله تقسيمه، وتناولناه من قبل، لكن الكلام هنا في متروك لا يصح أن يكون موروثا، ما هو؟ قال سبحانه: ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها.. ﴾ [النساء: 19]، وهل المقصود ألا يرث الوارث من مورثه إماء تركهن؟ لا. إن الوارث يرث من مورثه الإماء اللاتي تركهن، ولكن عندما تنصرف كلمة " النساء " تكون لأشرف مواقعها أي للحرائر، لأن الأخريات تعتبر الواحدة منهن ملك يمين، ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها.. ﴾ [النساء: 19] وهل فيه ميراث للنساء برضى؟ وكيف تورث المرأة؟ ننتبه هنا إلى قوله سبحانه ﴿ كرها.. ﴾ [النساء: 19]، وكان الواقع في الجاهلية أن الرجل إذا مات وعنده امرأة جاء وليه، ويلقي ثوبه على امرأته فتصير ملكا له، وإن لم تقبل فإنه يرثها كرها، أو إن لم يكن له هوى فيها فهو يحبسها عنده حتى تموت ويرثها، أو يأتي واحد ويزوجها له ويأخذ مهرها لنفسه كأنه يتصرف فيها تصرف المالك لذلك جاء القول الفصل: ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها ولا تعضلوهن.. ﴾ [النساء: 19]، و " العضل " في الأصل هو المنع، ويقال: " عضلت المرأة بولدها " ، ذلك أصل الاشتقاق بالضبط. فالمرأة ساعة تلد فمن فضل الله عليها أن لها عضلات تنقبض وتنبسط، تنبسط فيتسع مكان خروج الولد، وقد تعضل المرأة أثناء الولادة، فبدلا من أن تنبسط العضلات لتفسح للولد أن يخرج تنقبض، فتأتي هنا العمليات التي يقومون بها مثل القيصرية. إذن فالعضل معناه مأخوذ من عضلت المرأة بولدها أي انقبضت عضلاتها ولم تنبسط حتى لا يخرج الوليد، وعضلت الدجاجة ببيضها أي أن البيضة عندما تكون في طريقها لتنزل فتنقبض العضلة فلا تنزل البيضة لأن اختلالا وظيفيا قد حدث نتيجة للحركة الناقصة، ولماذا تأتي الحركة ناقصة للبسط؟ لأن الحق سبحانه وتعالى لم يشأ أن يجعل الأسباب في الكون تعمل آليا وميكانيكيا بحيث إذا وجدت الأسباب يوجد المسبب، لا.

ففوق الأسباب مسبب إن شاء قال للأسباب: قفي فتقف. إذن فكل المخالفات التي نراها تتم على خلاف ما تؤديه الأسباب إنما هي دليل طلاقة القدرة، فلو كانت الأشياء تسير هكذا ميكانيكيا، فسوف يقول الناس: إن الميكانيكا دقيقة لا تتخلف. لكن الحق يلفتنا إلى أنه يزاول سلطانه في ملكه، فهو لم يزاول السلطان مرة واحدة، ثم خلق الميكانيكا في الكون والأسباب ثم تركها تتصرف، لا، هو يوضح لنا: أنا قيوم لا تأخذني سنة ولا نوم، أقول للأسباب اعملي أو لا تعملي، وبذلك نلتفت إلى أنه المسيطر. وتجد هذه المخالفات في الشواذ في الكون، حتى لا تفتنا رتابة الأسباب، ولنذكر الله باستمرار، ويكون الإنسان على ذكر من واهب الأسباب ومن خالقها، فلا تتولد عندنا بلادة من أن الأسباب مستمرة دائما، ويلفتنا الحق إلى وجوده، فتختلف الأسباب لتلفتك إلى أنها ليست فاعلة بذاتها، بل هي فاعلة لأن الله خلقها وتركها تفعل، ولو شاء لعطلها. قلنا هذا في معجزة إبراهيم عليه السلام، حيث ألقاه أهله في النار ولم يحرق، كان من الممكن أن ينجي الله إبراهيم بأي طريقة أخرى، ولكن هل المسألة نجاة إبراهيم؟ إن كانت المسألة كذلك فما كان ليمكنهم منه، لكنه سبحانه مكنهم منه وأمسكوه ولم يفلت منهم، وكان من الممكن أن يأمر السماء فتمطر عندما ألقوه في النار، وكان المطر كفيلا بإطفاء النار، لكن لم تمطر السماء بل وتتأجج النار. وبعد ذلك يقول لها الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨٨٩