4.79
فإن جرت عليك سنة كونية خيرا فهو من الله، أما إن أصابتك سيئة فيما لك فيه دخل فهي من نفسك. كأن المسألة قسمان: شيء لك فيه دخل، وشيء لا دخل لك فيه. ولا بد أن تعتبره حسنة لأنه يقيم قضية عقدية في الكون. فالمؤمن بين لوم نفسه على مصيبة بما له فيه دخل، وثقة بحكمة من يجري ما لا دخل له فيه وهو الله - سبحانه - ﴿ مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا ﴾ [النساء: 79]. ومن هو الرسول؟ الرسول مبلغ عمن أرسله إلى من أرسل إليه. وما دام رسولا مبلغا عن الله فأي شيء يحدث منه فهو من الله. وعندما يقول الحق: ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ [النساء: 79] أي لا يضرك يا محمد أن يقولوا: إن ما أصابهم من سيئة فمن عندك لأنه يكفيك أن يكون الله في صفك لأنهم لا يملكون على ما يقولون جزاء، وربك هو الذي يملك الجزاء وهو يشهد لك بأنك صادق في التبليغ عنه وأنك لم تحدث منك سيئة كما قالوا. ومن بعد ذلك يقول الحق: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع... ﴾.
4.80
والطاعة للرسول هي طاعة لله، وذلك أمر منطقي لأنه رسول، فمن أطاع الرسول فطاعته طاعة لله لأن الرسول إنما يبلغ عمن أرسله. ولذلك ففي المسائل الذاتية التي كان يفعلها سيدنا رسول الله كبشر وبعد ذلك يطرحها قضية من عنده كبشر، وعندما يثبت عدم صحتها يعطينا رسول الله مثالا عن أمانته. فعن أنس رضي الله عنه،
" أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون، فقال: لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصا، فمر بهم، فقال: مالنخلكم؟ قالوا: قلت: كذا وكذا، قال: " أنتم أعلم بأمر دنياكم ".
أي في المسائل الخاضعة للتجربة في المعمل والتي لا دخل للسماء فيها. أما الأمور الخاضعة لنواميس الكون فلا يتركها للعباد. ومن العجيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يتصرف في شيء لم يكن لله فيه حكم مسبق وبعدله له الله بينه وبين نفسه فمحمد هو الذي يبلغنا بهذا التعديل لنشهد - واقعا - أنه صادق في البلاغ عن الله ولو كان على نفسه. وجاءت هذه الآية الكريمة بعد قول الحق سبحانه:
وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا
[النساء: 79]. والرسول - كما نعلم - هو من بلغ عن الله شرعه الذي يريد أن يحكم به حركة حياة الخليفة في الأرض وهو الإنسان. وإذا ما نظرنا إلى المادة المأخوذة من الراء والسين واللام وجدنا الحق سبحانه وتعالى يقول في آية أخرى.
ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى..
[الحج: 52]. إذن فالرسول قد يكون رسولا بالمعنى المفهوم لنا، وقد يكون نبيا، كلاهما مرسل من الله. ولكن الفارق أن الرسول يجيء بشرع يؤمر به ويؤمر هو - أيضا - بتبليغه للناس ليعملوا به، ولكن النبي إنما يرسله الله ليؤكد سلوكا نموذجيا للدين الذي سبقه فهو مرسل كأسوة سلوكية. ولكن الرسول على إطلاقه الاصطلاحي يأتي بمنهج جديد قد يختلف في الفروع عن المنهج الذي سبقه. وكلاهما رسول هذا يجيء بالمنهج والسلوك ويطبقه، والنبي يأتي بالسلوك فقط يطبقه ليكون نموذجا لمنهج سبقه به رسول. وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل، وجعل خاتم الرسل سيدنا محمدا فمعنى ذلك أن رسالته صلى الله عليه وسلم ستكون رسالة لا استدراك للسماء عليها، فكيف يعقل أن تكون رسالته موضوعا لاستدراك البشر عليها؟ فما دام الله قد ختم به الرسالة، وأنزل عليه قوله:
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا
[المائدة: 3] إذن فلم يعد للسماء استدراك على هذه الرسالة، فكيف يأتي بعد ذلك إنسان معاصر أو غير معاصر ليقول: لا، إننا نريد أن نستدرك كذا أو نقول: الحكم كذا أو هذا الحكم لا يلائم العصر إذا كان الله لم يجعل للسماء استداركا على الرسالة لأن الله أكملها وأتمها فكيف يسوغ للبشر أن يكونوا مستدركين على الرسالة؟.