تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.174

والبرهان هو الإعجاز الدال على صدق المبلغ الأخير عن الله، وهو الحجة الدامغة. وقد يقول قائل: ما هو البرهان وما هو النور؟. ونعلم أن كل رسول يأتي بمعجزة تثبت صدق بلاغه عن ربه قد تكون المعجزة بعيدة عن المنهج، ثم يعطيهم الرسول المنهج ببلاغ من الله مثال ذلك أن معجزة سيدنا موسى كانت العصا لكن منهجه هو التوراة. إذن فالمعجزة هي البرهان على صدق الرسول فيما بلغ عن ربه، وقد لا يكون للمعجزة صلة بالمنهج، فعيسى عليه السلام كانت معجزته إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ومنهجه الإنجيل. اما رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو النبي الخاتم فقد تجلت معجزته في أنها عين منهجه، إنها القرآن ولم تنفصل المعجزة عن المنهج لأنه رسول عام إلى الناس كافة وإلى أن تقوم الساعة. هذا هو البرهان. أما " النور " فقد جاء أيضا من أمر حسي لأن النور يمنع الإنسان من أن يتعثر في مشيته أو أن يخطئ الطريق أو أن يصطدم بالأشياء فيؤذيها أو تؤذيه. إذن النور الموجود في القرآن هو حقائق القيم، أما نور الله في الماديات فهو أمر معروف للكافة. ومن بعد ذلك يقول الحق: ﴿ فأما الذين آمنوا... ﴾.

4.175

لقد آمنوا بالله واعتصموا به، ما معنى الاعتصام؟. قديما كان الرجل عندما يقع في هوة يصرخ ليحذبه إنسان خارج الهوة بيده، وهذا هو الأصل في الاعتصام، أي يستمسك الإنسان بمن ينقذه من هاوية أو كارثة، والحق يعطي الأسباب، فإذا جاءت الشمس وسار فيها إنسان فقد أعطاه الله الشجرة ليستظل بها. وإذا ما نزل المطر فيمكن أن نستتر منه بمظلة، وإذا عطش إنسان فالله يعطيه سببا ليأخذ كوب ماء، والعاقل هو الذي يذكر عند كل سبب من أوجد السبب. فإياك أيها المؤمن أن تغتر بالأسباب لأن عدم الاغترار بالأسباب يحمي الإنسان. فعندما تأتيه أمور في ظاهرها شر، فمادام مجريها عليك هو الله فهي خير بالتأكيد، لكنك لا تعلم. وما أضل علم الإنسان في كثير من المسائل فالإنسان قد يحسب أمرا أنه هو الحسن، فيظهر له بعد حين أنه السوء، وقد يعتبر إنسان أمرا هو السيئ، فيظهر له بعد حين أنه الحسن، ولا يوجد واحد منا إلا وفي حياته أشياء كان يظنها خيرا فإذا بها شر، أو كان يظنها شرا فإذا بها خير. والشر هو ما يأتيه الإنسان لنفسه بعمله، أما الأمور التي تقع على الإنسان فحكمتها تمشي على مقتضى علم الله لا على مقتضى هوى البشر. إننا نجد من يقول: إنني أدعو الله بكذا ولا يستجيب لي. ونقول: إنك تدعو بأشياء تظنها الخير لك لكن الله يعلم أن هذه الأشياء ليست هي الخير لذلك لا يعطيها لك، فإن كنت مؤمنا بالله ومعتصما به فأنت تهمس لنفسك: ألي في هذا الأمر مدخل أم لا مدخل لي فيه؟. فإذا كان لك فيه مدخل فاللوم على نفسك. وإن كان الله قد أجراه عليك فهو خير لك ولله حكمة في ذلك.

وحظي من الدنيا سواء لأنني

رضيت بحكم الله في العسر واليسر

فإن أقبلت كان الجزاء على النجا

وإن أدبرت كان الجزاء على الصبر

﴿ فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما ﴾. وماداموا قد آمنوا بالله واعتصموا بالله واعتصموا به فسيهديهم صراطه المستقيم، وعاقبة الهداية وثمرتها فسرها وبينها قوله الحق:

والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم

[محمد: 17] وقال لنا الرسول صلى الله عليه وسلم:

" من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم "

أي يصير مأمونا على العلم لأن العلم الذي أخذه عن الله وظفه في خدمة غيره، ولم يدخره أو يعطله. ويختتم الحق سبحانه وتعالى سورة النساء بقوله: ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٤٢