4.85
وما هي الشفاعة الحسنة؟ الذين من الريف يعرفون مسألة " الشفعة " في العرف. فيقال: فلان أخذ هذه الأرض بالشفعة. أي أنه بعد أن كان يملك قطعة واحدة من الأرض، اشترى قطعة الأرض المجاورة لتنضم لأرضه، فبدلا من أن تكون له أرض واحدة صارت له أرضان. وعندما يأتي واحد لشراء أرض ما، فالجار صاحب الأرض المجاورة يقول: أنا أدخل بالشفعة، أي أنه الأولى بملكية الأرض. إذن فمعنى يشفع، هو من يقوم بتعدية أثر الموهبة منه إلى غيره من إخوانه المؤمنين ولهذا فإنه يكون له نصيب منها. فالشفاعة الحسنة هي التوسط بالقول في وصول إنسان إلى منفعة دنيوية أو أخروية أو إلى الخلاص من مضرة وتكون بلا مقابل. إذن فكل واحد عنده موهبة عليه أن يضم نفسه لغير الموهوب، فبعد أن كان فردا في ذاته صار شفعا. ولذلك يقال: فلان سيشفع لي عند فلان، أي أنه سيضم صوته لصوت المستعين به. والحق سبحانه وتعالى فيما يرويه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله قال لسيدنا داود: إن الرجل ليعمل العمل الواحد أحكمه به في الجنة. أي أن رجلا واحدا يؤدي عملا ما، فيعطيه الله فضلا بأن يقوم بتوزيع الأماكن على الأفراد في الجنة، وكأنه وكيل في الجنة، أي أنه لا يأخذ منزلا له فقط، ولكنه يتصرف في إعطاء المنازل أيضا، فتساءل داود: يا رب ومن ذلك؟ قال سبحانه: مؤمن يسعى في حاجة أخيه يحب أن يقضيها قضيت أو لم تقض. قال صلى الله عليه وسلم:
" من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيرا له من اعتكافه عشر سنين، ومن اعتكف يوما ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق أبعد مما بين الخافقين ".
ذلك لأن العبد الذي سعى في قضاء حاجة أخيه يكون قد أدى حق نعمة الله فيما تفضل به عليه، ويكون من أثر ذلك أنه لا يسخط أو يحقد غير الواجد للموهبة على ذي الموهبة. وبذلك فسبحانه يزيل الحقد من نفس غير الموهوب على ذي الموهبة فغير الموهوب يقول: إن موهبة فلان تنفعني أنا كذلك، فيحب بقاءها عنده ونماءها لديه. ويقول الحق: ﴿ من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها.. ﴾ [النساء: 85] ثم يأتي الحق بالمقابل، فهو سبحانه لا يشرع للأخيار فقط، ولكنه يضع الترغيب للأخيار ويضع الترهيب للأشرار، فيقول: " ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ". ولنر المخالفة والفارق بين كلمة " النصيب " وكلمة " الكفل ". كلمة " النصيب " تأتي بمعنى الخير كثيرا. فعندما يقول واحد: أنت لك في مالي نصيب.
هذا القول يصلح لأي نسبة من المال. أما كلمة " كفل " فهي جزء على قدر السيئة فقط. وهذا هو فضل من الله، فمن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، وهذا نصيب كبير. ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها. وهذه الآية قد جاءت بعد تحريض الرسول للمؤمنين على القتال، أي أنك يا رسول الله مطالب بأن تضم لك أناسا يقاتلون معك فتلك شفاعة حسنة سوف ينالون منها نصيبا كبيرا وثوابا جزيلا. أما قول الحق: ﴿ ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها.. ﴾ [النساء: 85] أي يكون له جزء منها، أي يصيبه شؤم السيئة، أما الجزاء الكبير على الحسنة فيدفع إلى إشاعة مواهب الناس لكل الناس. وما دامت مواهب الناس مشاعة لكل الناس فالمجتمع يكون متساندا لا متعاندا، ويصير الكل متعاونا صافي القلب، فساعة يرى واحد النعمة عند أخيه يقول: " سيأتي يوم يسعى لي فيه خير هذه النعمة ". ولذلك قلنا: إن الذي يحب أن تسرع إليه نعم غيره فليحب النعم عند أصحابها. فإنك أيها المؤمن إن أحببت نعمة عند صاحبها جاءك خيرها وأنت جالس. وإذا ما حرمت من آثار نعمة وهبها الله لغيرك عليك فراجع قلبك في مسألة حبك للنعمة عنده، فقد تجد نفسك مصابا بشيء من الغيرة منها أو كارها للنعمة عنده، فتصير النعمة وكأنها في غيرة على صاحبها، وتقول للكاره لها: " إنك لن تقربني ولن تنال خيري ". ويختم الحق الآية: ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتا ﴾ [النساء: 85] جاء هذا القول بعد الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة، وفي ذلك تنبيه لكل العباد: إياكم أن يظن أحدكم أن هناك شيئا مهما صغر يفلت من حساب الله، فلا في الحسنة سيفلت شيء، ولا في السيئة سيضيع شيء. وأخذت كلمة " مقيتا " من العلماء أبحاثا مستفيضة. فعالم قال في معناها: إن الحق شهيد، وقال آخر: " إن الحق حسيب " ، وقال ثالث: إن " مقيتا " معناها " مانح القوت " ورابع قال: " إنه حفيظ " وخامس قال: " إنه رقيب ". ونقول لهم جميعا: لا داعي للخلاف في هذه المسألة، فهناك فرق بين تفسير اللفظ بلازم من لوازمه وقد تتعدد اللوازم، فكل معنى من هذه المعاني قد يكون صحيحا، ولكن المعنى الجامع هو الذي يكون من مادة الكلمة ذاتها. و " مقيت " من " قاته " أي أعطاه القوت، ولماذا يعطيهم القوت؟ ليحافظ على حياتهم، فهو مقيت بمعنى أنه يعطيهم ما يحفظ حياتهم، ومعناها أيضا: المحافظ عليهم فهو الحفيظ. وبما أنه سبحانه يعطي القوت ليظل الإنسان حيا، فهو مشاهد له فلا يغيب المخلوق عن خالقه لحظة، وبما أنه يعطي القوت للإنسان على قدر حاجته فهو حسيب.