تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.65

إذن لا بد أن نستقبل الإيمان بالإقبال على كل ما جاء به رسول الله، فساعة حكم المنافقون غيره برغم إعلانهم للإسلام جاء الحكم بخروجهم من دائرة الإيمان، وعلى المؤمنين أن يتعظوا بذلك. ونلحظ في قوله الحق: ﴿ فلا وربك.. ﴾ [النساء: 65] وجود " لا " نافية، وأنه - سبحانه - أقسم بقوله: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك.. ﴾ [النساء: 65] ونعلم أن المنافقين قد ذهبوا فحكموا غير رسول الله، مع أنهم شاهدون بأنه رسول الله فكيف يشهدون أنه رسول الله، ثم يحكمون غيره ولا يرضون بقضائه؟ وتلك قضية يحكم الحق فيها فيقول: لا، هذه لا تكون أبدا. إذن ف " لا " النافية جاءت هنا لتنفي إيمانهم وشهادتهم أنه رسول الله لأنهم حكموا غيره. فإذا ثبت أنهم شهدوا أنه رسول الله ثم ذهبوا لغيره ليقضي بينهم إذا حدث هذا. فحكمنا في القضية هو: لا يكون لهم أبدا شرف شهادة أنه رسول الله. وبعد ذلك أقسم الحق فقال: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم.. ﴾ [النساء: 65] ونحن الخلق لا نقسم إلا بالله، لكنه سبحانه له أن يقسم بما شاء على ما يشاء، يقسم بالمادة الجبلية:

والطور

[الطور: 1]. ويقسم بالذاريات:

والذاريات ذروا

[الذاريات: 1]. والذاريات هي الرياح، ويقسم بالنبات:

والتين والزيتون

[التين: 1]. ويقسم بالملائكة:

والصافات صفا

[الصافات: 1]. ولكنك إن نظرت إلى الإنس فلن تجده أقسم بأحد من سيد هذا الكون وهو الإنسان إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقسم بحياته فقال:

لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون

[الحجر: 72]. و

لعمرك..

[الحجر: 72] يعني: وحياتك يا محمد إنهم في سكرتهم يعمهون، أي هم في غوايتهم وضلالهم يتحيرون فلا يهتدون إلى الحق، وأقسم الله بعد ذلك بنفسه، فقال:

فورب السمآء والأرض إنه لحق..

[الذاريات: 23]. وساعة يقول:

فورب السمآء والأرض..

[الذاريات: 23] فلا بد أن يأتي بربويته لخلق عظيم نراه نحن، ولذلك قال:

لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس..

[غافر: 57]. يعني إذا فكرت أيها الإنسان في خلق السماوات والأرض لوجدته أكبر من خلق الناس. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الله تعالى: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم.. ﴾ [النساء: 65] وهذا تكريم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ودليل على أن محمدا عليه الصلاة والسلام ذو منزلة عالية، إياكم أن تظنوا أنه حين قال:

لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس..

[غافر: 57] أن محمدا قد دخل في الناس، إنه سبحانه يوضح: لا، سأقسم به كما أقسمت بالسماء والأرض،

فوربك لنسألنهم..

[الحجر: 92]، ولماذا يقسم برب السماء والأرض لأن الرب له قدرة عظيمة هائلة، فهو يخلق ويربي، ويتعهد ويؤدب.

إن خلق السماوات والأرض يكفي فيها الخلق وناموس الكون والتسخير. لكن عندما يخلق محمدا فلا يريد الخلق والإيجاد فقط، بل يريد تربية فيها ارتقاءات النبوة مكتملة فيقول له: فوربك الذي خلقك، والذي سواك، والذي رباك، والذي أهلك لأن تكون خير خلق الله وأن تكون خاتم الرسل، ولأن تكون رحمة الله للعالمين، يقسم بهذا كله فيقول: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم.. ﴾ [النساء: 65] أبعد ما يدخل سبحانه فينا هذه المهابة بالقسم برب رسول الله نقول: لا نحكم محمدا ومنهجه في حياتنا؟. إذن فقوله: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم.. ﴾ [النساء: 65] وحكم كل مادتها مثل " الحكم " و " التحكيم " و " الحكمة " و " التحكم " وكل هذا مأخوذ من الحكمة وهي حديدة اللجام الذي يوضع في فم الفرس يمنعه به صاحبه أن يشرد، ويتحكم فيه يمينا ويسارا، فكذلك " الحكمة " تعوق كل واحد عن شروده في أخذ حق غيره، فالتحكيم والحكم، والحكمة، كلها توحي بأن تضع الشيء في موضعه الصحيح. وكلمة ﴿ شجر.. ﴾ [النساء: 65] مأخوذة من مادة الشين والجيم والراء وإذا رأيتها فافهم أنها مأخوذة من الشجر الذي تعرفه. وهناك لا تلتصق ببعضها، وهناك نباتات تكبر فيلتصق بعضها ببعض فتتشابك، كما نرى مثلا شجرا متشابكا في بعضه، وتداخلت الأفرع مع بعضها بحيث لا تستطيع أيها الناظر أن تقول: إن هذه ورقة هذه الشجرة أو ورقة تلك الشجرة. وإذا ما أثمرتا وكانتا من نوع واحد لا تقدر أن تقول: إن هذه الثمرة من هذه الشجرة، ولا هذه الثمرة من تلك الشجرة، أي أن الأمر قد اختلط. ﴿ شجر بينهم.. ﴾ [النساء: 65] أي قام نزاع واختلاط في أمر، فأنت تذهب لتفصل هذه الشجرة عن تلك، وهذه الثمرة عن تلك الثمرة، وساعة ترى أشجارا من نوع واحد، وتداخلت مع بعضها واختلطت، لا يعنيك إن كنت جاني الثمرة أن تكون هذه الثمرة التي قطفتها من هنا أو من هناك، فأنت تأخذ الثمرة حيث وجدت، لا يعنيك أن تكون من هذه أو من تلك، وإن كنت تستظل تحت شجر لا يعنيك أن تعرف هل جاء هذا الظل من ورق هذه الشجرة أو من تلك الشجرة، فهذه فائدة اختلاط المتساوي، لكن إذا أردت ورقة شجرة من نوع معين فأنتقيها لأنني أريدها لأمر خاص. والخلق كلهم متساوون فكان يجب إن اختلطوا أن تكون المسألة مشاعا بينهم، لكن طبيعة النفس الشح، فتنازعوا، ولذلك فالقاضي الذكي يقول للمتخاصمين: أتريدان أن أحكم بينكما بالعدل أم بما هو خير من العدل؟ فيفزعان ويقولان: أهناك خير من العدل؟. يقول: نعم إنه الفضل، فما دامت المسألة أخوة واحدة، والخير عندك كالخير عندي فلا نزاع، أما إذا حدث الشجار فلا بد من الفصل.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٢٢