4.42
وساعة ترى ﴿ يومئذ.. ﴾ [النساء: 42] وتجد فيها هذا التنوين فاعلم أنه عوض عن شيء محذوف والمحذوف هنا أكثر من جملة ويصبح المعنى: يوم إذ نجيء من كل أمة بشهيد وتكون أنت عليهم شهيدا، في هذا اليوم ﴿ يود الذين كفروا وعصوا الرسول.. ﴾ [النساء: 42] لأنهم فوجئوا بعملية كانوا يكذبونها، فلم يكونوا معتقدين أن الحكاية جادة، كانوا يحسبون أن كلام الرسول مجرد كلام ينتهي، فعندما يفاجئهم يوم القيامة ماذا يكون موقفهم؟ ﴿ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض.. ﴾ [النساء: 42] وما معنى ﴿ تسوى بهم الأرض.. ﴾ [النساء: 42]؟ كما تقول: سأسوي بفلان الأرض أي تدوسه بحيث يكون في مستوى الأرض. ﴿ ولا يكتمون الله حديثا ﴾ [النساء: 42]. فكيف لا يكتمون الله حديثا؟ وهو قد قال في آية أخرى:
قال اخسئوا فيها ولا تكلمون
[المؤمنون: 108]. قال الحق ذلك عنهم لأن الأمر له مراحل: فمرة يتكلمون، ويكذبون، فهم يكذبون عندما يقولون:
والله ربنا ما كنا مشركين
[الأنعام: 23]. وسيقولون عن الأصنام التي عبدوها:
ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى..
[الزمر: 3]. إذن فقوله: ﴿ ولا يكتمون الله حديثا ﴾ [النساء: 42] دليل على أن الحديث مندفع ولا يقدر صاحبه أن يكتمه. فالكتم: أن تعوق شيئا يخرج بطبيعته من شيء آخر فتكتمه. والواحد منهم في الآخرة: لا يقدر أن يكتم حديثا لأن ذاتية النطق ليست في أداة النطق كما كان الأمر في الدنيا فقط، بل سيجدون أنفسهم وقد قدموا إقرارات بخطاياهم، وبألسنتهم وبجوارحهم لأن النطق ليس باللسان فقط، فاللسان سيشهد، والجلود تشهد، واليدان تشهدان، بل كل الجوارح تشهد. إذن فالمسألة ليست تحت سيطرة أحد، لماذا؟ لأن هناك ما نسميه " ولاية الاقتدار " ، ومعناها أن: هناك قادرا، وهناك مقدور عليه. ولكي نقرب الصورة، عندما توجد كتيبة من الجيش وعليها قائد. وبعد ذلك قامت الكتيبة في مهمة، والقانون العام في هذه المهمة: أن يجعل لهذا القائد قادرية الأوامر وعلى الجنود طاعته وألا يخالفوا الأوامر العسكرية، فإذا أصدر هذا القائد أمرا تسبب في فشل معركة ما، وذهب الجنود للقائد الأعلى منه، ويسمونه الضابط الأعلى من الضابط الصغير، فيكون للجنود معه كلام آخر، إنهم يقدرون أن يقولوا: هو الذي قال لنا ونفذنا أوامره. أقول ذلك لتقريب المعنى لحظة الوقوف أمام الحق سبحانه وتعالى، فحينما خلق سبحانه الإنسان خلق جوارحه منفعلة لإرادته، وإرادته مكيفة حسب اختياره. فإرادة الطائع إطاعة أمر واجتناب نهي، وإرادة العاصي على العكس لا يطيع الأمر ولا يتجنب المنهي عنه فواحد أراد أن يشرب الخمر، فرجله مشت، ولسانه نطق للرجل الذي يعطيه الكأس، ويده امتدت وأخذت الكأس وشرب، والجوارح التي تقوم بهذه العملية هي خاضعة لقادرية إرادته، فقد خلقها ربنا هكذا، وبعد ذلك، حين تذهب إلى من دبر هذا الأمر في الآخرة تقول له: يا رب هو عمل بي كذا وكذا، لماذا؟ لأن قادرية الإرادة امتنعت:
الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]. وليس لي ولا لأحد إرادة في الآخرة، وما دام ليس لي إرادة فاليد تتكلم وتعترف: عمل بي كذا وكذا وكنت يا رب مقهورة لقادرية إرادته التي أعطيتها له فبمجرد ما يريد فأنا أنفذ. عندما أراد أن أضرب واحدا لم أمتنع. ويعترف اللسان بسبه لفلان، أو مدحه لآخر، إذن فكل هذه ولاية القادرية من الإرادة على المقدورات من الجوارح. لكن إذا ما ذهبت إلى من وهب القادرية للإرادة فلا يوجد أحد له إرادة. فكأن الجوارح حين تصنع غير مرادات الله بحكم أنها خاضعة للمريد وهو غير طائع تكون كارهة لذلك تفعل أوامر صاحبها وهي كارهة، فإذا ما انحلت إرادته وجدت الفرصة فتقول ما حدث:
وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء..