4.88
كل جملة سبقتها " فاء " فمن اللازم أن يكون هناك سبب ومسبب، علة ومعلول، مقدمة ونتيجة، وكل الأشياء التي تكلم الحق عنها سبحانه وتعالى فيما يتعلق بمشروعية القتال للمؤمنين ليحملوا المنهج إلى الناس، ويكون الناس - بعد سماعهم المنهج - أحرارا فيما يختارون. إذن فالقتال لم يشرع لفرض منهج، إنما شرع ليفرض حرية اختيار المنهج، بدليل قول الحق:
لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي..
[البقرة: 256]. وعلى ذلك فالإسلام لا يفرض الدين، ولكنه جاء ليفرض حرية الاختيار في الدين، فالقوى التي تعوق اختيار الفرد لدينه، يقف الإسلام أمامها لترفع تسلطها عن الذين تبسط سلطانها عليهم ثم يترك الناس أحرارا يعتنقون ما يشاءون، بدليل أن البلاد التي فتحها الإسلام بالسيف، ظل فيها بعض القوم على دياناتهم. فلو أن القتال شرع لفرض دين لما وجدنا في بلد مفتوح بالسيف واحدا على غير دين الإسلام. وبعد أن تكلم الحق عن القتال في مواقع متعددة من سورة النساء، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم:
فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا
[النساء: 84]. شرع الحق سبحانه وتعالى قضية استفهامية هنا، فيها معنى الإنكار وفيها معنى التوبيخ وذلك شائع في كل الأساليب التي تتفق معها في القرآن الكريم. فإذا سمعت كلمة " فمالك لا تفعل كذا " ، فكأن قياس العقل يقتضي أن تفعل، والعجيب ألا تفعل. ولا يمكن أن يأتي هذا الأسلوب إلا إذا كان يستنكر أنك فعلت شيئا كان ينبغي ألا تفعله أو أنك تركت شيئا كان عليك أن تأتي به. فالأب يقول للابن مثلا: " مالك لا تذاكر وقد قرب الامتحان؟ " كأن منطق العقل يفرض على الابن إن كان قد أهمل فيما مضى من العام، فما كان يصح للابن أن يهمل قبل الامتحان، وهذا أمر بدهي بالقياس العقلي، فكأن التشريع والقرآن يخاطبان المؤمنين ألا يقبلوا على أي فعل إلا بعد ترجيح الاختيار فيه بالحجة القائمة عليه، فلا يصح أن يقدم المؤمن على أي عمل بدون تفكير، ولا يصح أن يترك المؤمن أي عمل دون أن يعرف لماذا لم يعمله، فكأن أسلوب " فما لكم " ، و " فما لك " مثل قول أولاد سيدنا يعقوب:
ما لك لا تأمنا على يوسف..
[يوسف: 11]. ما معنى قولهم هذا؟ معناه: أي حجة لك يا أبانا في أن تحرمنا من أن نكون مؤتمنين على يوسف نستصحبه في خروجنا. فكأن القياس عندهم أنهم إخوة، وأنهم عصبة، ولا يصح أن يخاف أبوهم على يوسف لا منهم ولا من شيء آخر يهدد يوسف لأنهم جماعة كثيرة قوية.
وكذلك قول الحق:
فما لهم لا يؤمنون
[الانشقاق: 20]. أي أن القياس يقتضي أن يؤمنوا. وقوله الحق:
فما لهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة
[المدثر: 49-51]. كان القياس ألا يعرضوا عن التذكرة، إذن فأسلوب " فما له " ، و " فما لك " و " فما لهم " ، و " فما لكم " كله يدل على أن عمل المؤمن يجب أن يستقبل أولا بترجيح ما يصنع أو بترجيح ما لا يصنع. أما أن يفعل الأفعال جزافا بدون تفكير في حيثيات فعلها، أو في حيثيات عدم فعلها فهذا ليس عمل العاقلين. إذن فعمل العاقل أنه قبل أن يقبل على الفعل ينظر البديلات التي يختار منها الفعل فالتلميذ إن كان أمامه اللعب وأمامه الاستذكار، ويعرف أنه بعد اللعب إلى رسوب، وبعد الرسوب إلى مستقبل غير كريم، فإذا اختار الاجتهاد فهو يعرف أن بعد الاجتهاد نجاح، وبعد النجاح مستقبل كريم. فواجب التلميذ - إذن - أن يبذل قدرا من الجهد ليتفوق. وكل عمل من الأعمال يجب أن يقارنه الإنسان بالنتيجة التي يأتي بها وبترجيح الفعل الذي له فائدة على الأفعال التي لا تحقق الهدف المرجو. والآية هنا تقول: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين.. ﴾ [النساء: 88] كأن القياس يقتضي ألا نكون في نظرتنا إلى المنافقين فئتين، بل يجب أن نكون فئة واحدة. وكلمة " فئة " تعني جماعة، والجماعة تعني أفرادا قد انضم بعضهم إلى بعض على رغم اختلاف الأهواء بين هؤلاء الأفراد وعلى رغم اختلاف الآراء، إلا أنهم في الإيمان يجمعهم هوى واحد، هو هوى الدين، ولذلك قال الرسول: