وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يوضح: بعد ما حدث وحدثتكم عن القتل بكل صوره وألوانه سواء أكان القتل مباحا كقتل المسلمين الكافرين في الحرب بينهما، أم القتل العمد، أم القتل الخطأ، أم القتل شبه العمد، لذلك ينبهنا: يجب أن تحتاطوا في هذه المسألة احتياطا لتتبينوا أين تقع سيوفكم من رقاب إخوانكم، فيقول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم... ﴾.
4.94
فيأيها المؤمنون حين تضربون في سبيل الله فتبينوا وتثبتوا فلا تعمل سيوفكم أو رماحكم أو سهامكم إلا بعد أن تتثبتوا: ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ [النساء: 94]. إذن فهذه آية تجمع بين كل المعاني، ففيها الحكم وحيثيته والمراد منه، وسبحانه يبدأها بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا.. ﴾ [النساء: 94]، والخطاب الإيماني حيثية الالتزام بالحكم، فلم يقل: " يا أيها الناس إذا ضربتم فتبينوا " ، ولكنه قال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا.. ﴾ [النساء: 94]، فهو يطلب المؤمنين به بحكم لأنهم آمنوا به إلها، وما داموا قد آمنوا فعليهم اتباع ما يطلبه الله فحيثية كل حكم من الأحكام أن المؤمن قد آمن بمن أصدر الحكم، فإياك أيها المؤمن أن تقول: " ما العلة " أو " ما الحكمة " وذلك حتى لا تدخل نفسك في متاهة. ولا نزال نكرر هذه المسألة، لأن هذه المسألة تطفو في أذهان الناس كثيرا، ويسأل بعضهم عن حكمة كل شيء، ولذلك نقول: الشيء إذا عرفت حكمته صرت إلى الحكمة لا إلى الآمر بالحكم. ونرى الآن المسرفين على أنفسهم الذين لا يؤمنون بإله، أو يؤمنون بالله ولكنهم ارتكبوا الكبائر من شهادة زور، إلى ربا، إلى شرب خمر، وعندما يحلل الأطباء للكشف عن كبد شارب الخمر - على سبيل المثال - نجده قد تليف، وأن أي جرعة خمر ستسبب الوفاة. هنا يمتنع عن شرب الخمر. لماذا امتنع؟. لأنه عرف الحكمة. وقد يكون قائلها له مجوسيا، فهل كان امتناعه عن الحكم تنفيذا لأمر إلهي؟. لا، ولكن المؤمن يمتنع عن الخمر لأنها حرمت بحكم من الله والمؤمن ينفذ كل الأحكام حتى في الأشياء غير الضارة، فمن الذي قال: إن الله لا يحرم إلا الشيء الضار؟ إنه قد يحرم أمرا تأديبا للإنسان. ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نجد الزوج يقول لزوجه: إياك أن تعطي ابننا بعضا من الحلوى التي أحضرتها. هو يحرم على ابنه الحلوى لا لأنها ضارة، ولكنه يريد تأديب الابن والتزامه. والحق يقول:
فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم..
[النساء: 160]. فالذي يذهب إلى تنفيذ حكم الله إنما يذهب إليه لأن الله قد قاله، لا لأن حكمة الحكم مفيدة له، فلو ذهب إنسان إلى الحكم من أجل فائدته أو ضرره فإن الإيمان يكون ناقصا، والله يدير في كثير من الأوقات حكمته في الأحكام حتى يرى الإنسان وجها من الوجوه اللا نهائية لحكمة الله التي خفيت عليه، فيقول الإنسان: أنا كنت أقف في حكمة كذا، ثم بينت لي الأحداث والأيام صدق الله فيما قال.
وهذا يشجع الإنسان أن يأخذ أحكام الله وهو مسلم بها. والحق يقول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا.. ﴾ [النساء: 94] والإيمان هو الحيثية، يا من آمنت بي إلها قادرا حكيما.. اسمع مني ما أريده منك: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله.. ﴾ [النساء: 94] والضرب - كما نعرف - هو انفعال الجارحة على شيء آخر بعنف وقوة. وقوله:
وإذا ضربتم في الأرض..
[النساء: 101]. معناها أن الحياة كلها حركة وانفعال، ولماذا الضرب في الأرض؟. لأن الله أودع فيها كل أقوات الخلق، فحين يحبون أن يخرجوا خيراتها يقومون بحرثها حتى يهيجوها، ويرموا البذور، وبعد ذلك الري. ومن بعد ذلك تخرج الثمار، وهذه هي عملية إثارة الأرض. إذن كل حركة تحتاج إلى شدة ومكافحة، والحق يقول: