4.25
والاستطاعة تعني أن يدخل الشيء في طاعتي فلا يعصى ولا يتأبى علي، وافرض أنني أمسكت قطعة حديد ولويتها، هنا تكون قطعة الحديد قد دخلت في طوعي، ومثال ذلك: ابنا آدم، حين قدم كل منهما قربانا لله فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، فالذي لم يتقبل الله منه القربان قال:
لأقتلنك..
[المائدة: 27]. فماذا كان رد الذي تلقى التهديد؟ قال:
لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين * إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزآء الظالمين * فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين
[المائدة: 28-30]. ما معنى:
فطوعت..
[المائدة: 30]؟ طوعت يعني: جعلته في استطاعته، وعندما نمعن النظر في
فطوعت له نفسه..
[المائدة: 30] نجد أن " الهاء " تشير إليه هو، وذلك يدل على أن الإنسان فيه ملكات متعددة ملكة تقول: اقتله، وملكة أخرى تقول له: لا تقتله. ضميره يقول له: لا تفعل، والنفس الأمارة بالسوء تقول له: اقتل، ويكون هو مترددا بين الأمرين. وقوله الحق:
فطوعت له..
[المائدة: 30] دليل على أن نفسه كانت متأبية عليه، لكن النفس الأمارة بالسوء ظلت وراءه بالإلحاح حتى أن نفسه الفاعلة طوعت له أن يقتل أخاه، ومع أن نفسه طوعت له أن يقتل أخاه إلا أنه أصبح بعد ذلك من النادمين، وبعدما أخذ شهوته من القتل ندم، ويأتي هذا الندم على لسانه:
ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين
[المائدة: 31]. أنت الذي قتلته، لكنك أصبحت من النادمين. لماذا؟ لأن ملكات الخير دائما تصعد عمل الخير وتحبط عمل الشر. والإنسان قد يبدأ شريرا، وإن كانت ملكاته ملكات خير غالبة، فهو ينزل من هذا الشر العالي ويخففه، وإن كانت ملكات الشر غالبة فهو يبدأ في الشر قليلا ثم يصعده، فيقول في نفسه: فلان فعل في كذا وأريد أن أصفعه صفعة، وبعد ذلك قد يرفع من شره فيقول: " أو أضربه ضربة ". لكن إذا ما كان الإنسان خيرا، فيقول: " فلان كاد لي، أريد أن أضربه رصاصة أو أضربه صفعتين أو أوبخه " إنه ينزل من الشر ويصعد من الخير. كما في قصة سيدنا يوسف وإخوته حين قالوا:
إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين * اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين * قال قآئل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين
[يوسف: 8-10]. إنهم أسباط، وأولاد النبي يعقوب، فيقللون من الشر، يخففونه مباشرة قائلين:
أو اطرحوه أرضا..
[يوسف: 9] يعني يلقونه في أرض بعيدة، إذن فخففوا القتل في نفس واحد، كيف تم هذا الانتقال من القتل إلى اطرحوه أرضا؟ ثم خففوا الأمر ثانية حتى لا يأكله سبع أو يتوه، فقالوا:
وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة..
[يوسف: 10]. إذن فقوله: ﴿ ومن لم يستطع منكم.. ﴾ [النساء: 25] أي من لم يستطع دخول الشيء في طوعه أو أن تطوله يداه، وهذا هو المقصود بالطول، " فطالته يده " يعني صار في استطاعته، وفلان تطول علي، أي تفضل علي بشيء، " وفلان تطاول علي " أي ما كان يصح أن يجترىء علي، وكلها من الطول، و " طولا ": تعني قدرة تطول به الزواج بمن تحب أي أنت لا تملك مالا ولا تستطيع الطول، فهناك مرحلة أخرى، لا داعي للحرة لأن مهرها غال غالبا فخذ من الإماء الأسيرات لأن مؤنتهن ونفقتهن خفيفة، وليس لها عصبة ولا أهل يجادلونك في المهر، فقال: ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات.. ﴾ [النساء: 25]. والذي نلمحه في الآية أن نكاح ما ملكت اليمين يكون لغير مالكها لأن مالكها لا يحتاج ذلك، إنه يستمتع بها ويتغشاها لأنها ملك يمينه وليست مملوكة للغير. إذن فقد أباح الله للمسلم أن ينكح مما ملكت يمين غيره على شرط أن يكون ذلك بإذن مولاها لأنها بالزواج تقتطع جزءا من وقتها وخدمتها لمن يملك رقبتها، فلا بد أن يستأذن حتى يكون أمر انقطاعها إلى الزواج في بعض خدماته مما هو معلوم لأوليائهن، وأمر أيضا سبحانه ألا نستهين بأنها مملوكة ومهينة فلا نأتيها مهرها. بل يجب أن يؤدى لهؤلاء مهورهن بما يعرف، أي بالمتعارف عليه لأن ذلك عوض البضع، فإذا كان الحق قد أمر بأن نستأذن مواليهن وأمر بأن نأتيهن أجورهن، هنا بعض الإشكال لأن المملوكة لا تملك لأن العبد وما ملكت يداه لسيده. نقول له: نعم، ولكن إذا قلت: العبد وما ملكت يداه لسيده فلا بد أن تحقق لها ملكا أولا ثم يكون ما تملكه لسيدها، أما أن تتعداها وتعطي المال لسيدها فإنها في هذه الحالة لم يتحقق لها مهر، فقولك: العبد وما ملكت يداه، أي أعطها فترة وفرصة لتكون مالكة بأن تعطي الأجر تكريما لها، أما كون ما لها لسيدها فهذا موضوع آخر. وبعد ذلك تذهب لتتزوجها إن ذلك يصح، فهل نفهم من ذلك أنك إن استطعت طولا لا تنكح الإماء؟ لا. وهل هذا يقلل من شأن الإماء؟ لا. لماذا؟ انظر للحكم العالية التي لا يقولها إلا رب. الله يريد أن يصفي مسألة الرق، فحين يأتي واحد ويتزوج أمة مملوكة لغيره فأولادها يتبعونها في الرق.