4.13
الأحكام المتقدمة والأمور السابقة كلها حدود الله، وحين يحد الله حدودا، أي يمنع أن يلتبس حق بحق، أو أن يلتبس حق بباطل فهو الذي يضع الحدود وهو الذي فصل حقوقا عن حقوق. ونحن عندما نقوم بفصل حقوق عن حقوق في البيوت والأراضي فنحن نضع حدودا واضحة، ومعنى " حد " أي فاصل بين حقين بحيث لا يأخذ أحد ما ليس له من آخر. والحدود التي نصنعها نحن والتي قد لا يتنبه إليها كثير من الناس، هي نوعان: نوع لا يتعدى بالبناء، فعندما يريد واحد أن يبني، فالأول يبني على الأرض التي هي حق له، ويكون الجداران ملتصقين بعضهما ببعض. وعندما يزرع فلاح بجانب فلاح آخر فكل فلاح يزرع في أرضه وبين القطعتين حد، وهذا يحدث في النفع. لكن لنفترض أن فلاحا يريد أن يزرع أرزا، وجاره لن يزرع أرزا، فالذي لن يزرع الأرز قد تأخذ أرضه مياها زائدة، فالمياه تصلح للأرز وقد تفسد غيره، ولذلك يكون الحكم هنا أن يقيم زارع الأرز حدا اسمه " حد الجيرة " ليمنع الضرر، وهو ليس " حد الملكية " فزارع الأرز هنا ينقص من زراعته مسافة مترين، ويصنع بهما حد الجيرة، حتى لا تتعدى المياه التي يروى بها الأرز إلى أرض الجار. إنه حد يمنع الضرر، وهو يختلف عن الحد الذي يمنع التملك. إذن فمن ناحية حماية الإنسان لنفسه من أن يوقع الضرر بالآخرين عليه أن ينتبه إلى المقولة الواضحة: " لا تجعل حقك عند آخر حدك، بل اجعل حقك في الانتفاع بعيدا عن حدك " ، وهذا في الملكية. وذلك إذا كان انتفاعك بما تملكه كله سيضر بجارك. وكذلك يعاملنا الله، ويقول في الأوامر:
تلك حدود الله فلا تعتدوها..
[البقرة: 229]. وفي النواهي يقول سبحانه:
تلك حدود الله فلا تقربوها..
[البقرة: 187]. أي أنك إذا ما تلقيت أمرا، فلا تتعد هذا الأمر، وهذه هي الملكية، وإذا ما تلقيت نهيا فلا تقرب الأمر المنهي عنه. مثال ذلك النهي عن الخمر، فالحق لا يقول: " لا تشرب الخمر " ، وإنما يقول:
إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه..
[المائدة: 90]. أي لا تذهب إلى المكان الذي توجد فيه من الأصل، كن في جانب وهذه الأشياء في جانب آخر. ولذلك قلنا في قصة أكل آدم من الشجرة: أقال الحق: " لا تأكلا من الشجرة "؟ أم قال ولا تقربا هذه الشجرة؟ سبحانه قال:
ولا تقربا هذه الشجرة..
[الأعراف: 19]. وهذا حد اسمه " حد عدم المضارة " إنه أمر بعدم الاقتراب حتى لا يصاب الإنسان بشهوة أو رغبة الأكل من الشجرة.
وكذلك مجالس الخمر لأنها قد تغريك. ففي الأوامر يقول سبحانه:
تلك حدود الله فلا تعتدوها..
[البقرة: 229] وهذا ما يتعلق بالملكية. وفي النواهي يقول سبحانه:
تلك حدود الله فلا تقربوها..
[البقرة: 187] ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا الحديث: " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في المشبهات وقع في الحرام، كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ". لذلك تجنب حدود الله. مثال ذلك قول الحق:
ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون
[البقرة: 187]. إن الحق يأمر المعتكف بالمسجد أنه عندما تأتي له زوجة لتناقشه في أمر ما فعلى المؤمن أن يمتثل لأمر الله بعدم مباشرة الزوجة في المسجد. ولا يجعل المسائل قريبة من المباشرة، لأن ذلك من حدود الله. وسبحانه يقول:
تلك حدود الله فلا تقربوها..
[البقرة: 187]. وهنا في مسائل الميراث يقول الحق: ﴿ تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ﴾ [النساء: 13]. وكان يكفي أن يقول الحق - من بعد بيان الحدود -: ﴿ ومن يطع الله.. ﴾ [النساء: 13] ولكنه قال: ﴿ ومن يطع الله ورسوله.. ﴾ [النساء: 13] وذلك لبيان أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضع حدودا من عنده لما حل، وأن يضع حدودا لما حرم. وهذا تفويض من الله لرسوله في أنه يشرع لذلك فلا تقل في كل شيء: " أريد الحكم من القرآن ". ونرى من يقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه، وما وجدنا فيه حرام حرمناه. هؤلاء لم يلتفتوا إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم مفوض في التشريع وهو القائل: