4.141
وقوله الحق: ﴿ الذين يتربصون بكم ﴾ وصف للمنافقين، ويتربص فلان بفلان. أي أن واحدا يتحفز ليتحسس أخبار آخر، ويرتب حاجته منه على قدر ما يرى من أخبار، وعرفنا هذا المعنى من قوله الحق:
قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين
[التوبة: 52] ويتربص المنافقون بالمؤمنين لأنهم إن وجدوا خيرا قد أتى لهم فهم يريدون الاستفادة منه، وإن جاء شر فالمنافقون يتجهون للاستفادة من الخصوم، فظاهرا هم يعلنون الإيمان وهم في باطنهم كفار. وهم يتربصون بالمؤمنين انتظارا لما يحدث وليرتبوا أمورهم على ما يجيء. ﴿ الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم ﴾ فإن فتح الله بنصره على المؤمنين في معركة وأخذوا مغانم قال المنافقون: ﴿ ألم نكن معكم ﴾ ، فلابد لنا من سهم في هذه الغنيمة. وإذا انتصر الكفار يذهبون إلى الكافرين مصداقا لقول الحق: ﴿ وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ﴾. هم يحاولون إذن الاستفادة من الكفار بقولهم: لقد تربصنا بالمؤمنين وانتظرنا ما يحدث لهم، ولا بد لنا من نصيب. ويقول الحق على ألسنتهم: ﴿ قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ﴾ واستحوذ على الشيء أي حازه وجعله في حيزه وملكه وسلطانه. والحق هو القائل:
استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله
[المجادلة: 19] أي جعلهم الشيطان في حيزه، وقول المنافقين للكافرين: ﴿ ألم نستحوذ عليكم ﴾ يكشف موقفهم عندما تقوم معركة بين معسكري الكفر والإيمان فيحاول المنافقون معرفة تفاصيل ما ينويه المؤمنون، ولحظة أن يدخل المنافقون أرض المعركة فهم يمثلون دور من يأسر الكافرين حماية لهم من سيوف المؤمنين. ثم يقولون للكافرين: نحن استحوذنا عليكم أي منعناكم أن يقتلكم المؤمنون، ويطلبون منهم الثمن. ولنر الأداء البياني للقرآن حين يقول عن انتصار المؤمنين: ﴿ فإن كان لكم فتح ﴾ أما تعبير القرآن عن انتصار الكافرين فيأتي بكلمة " نصيب " أي مجرد شيء من الغلبة المؤقتة. ثم يأتي القول الفصل من الحق: ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ﴾. وحين يرد الله أمر الكافرين والمؤمنين لا يرده دائما إلى أمد قد لا يطول أجل السامع وعمره ليراه في الدنيا، فيأتي له بالمسألة المقطوع بها لذلك لا يقول للمؤمن: إنك سوف تنتصر. فالمؤمن قد يموت قبل أن يرى الانتصار. ولذلك يأتي بالأمر المقطوع وهو يوم القيامة حين تكون الجنة مصيرا مؤكدا لكل مؤمن لأن الحياة أتفه من أن تكون ثمنا للإيمان. ويعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم ألا نطلب الثمن في الدنيا لأن الغايات تأتي لها الأغيار في هذه الدنيا، فنعيم الحياة إما أن يفوت الإنسان وإما أن يفوته الإنسان. وثمن الإيمان باق ببقاء من آمنت به.
إن القاعدة الإيمانية تقول: من يعمل صالحا يدخل الجنة، والحق يقول عن هؤلاء الصالحين:
ففي رحمة الله هم فيها خالدون
[آل عمران: 107] أي أن الجنة باقية بإبقاء الله لها، وهو قادر على إفنائها، أما رحمة الله فلا فناء لها لأنها صفة من صفاته وهو الدائم أبدا. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ أي لن يوجد نقض لهذا الحكم لأنه لا إله إلا هو وتكون المسألة منتهية. وقد حكم الحق سبحانه وتعالى على قوم من أقارب محمد صلى الله عليه وسلم، لقد حكم الله على عم الرسول، فقال فيه:
تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد
[المسد: 1-5] قول الحق سبحانه: ﴿ سيصلى نارا ذات لهب ﴾ يدل على أن أبا لهب سيموت على الكفر ولن يهديه الله للإيمان، مع أن كثيرا من الذين وقفوا من رسول الله مواقف العداء آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشهد معسكر الكفر فقدان عدد من صناديده، ذهبوا إلى معسكر الإيمان، فها هوذا عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم كل هؤلاء آمنوا. فما الذي كان يدري محمدا صلى الله عليه وسلم أن أبا لهب لن يكون من هؤلاء؟ ولماذا لم يقل أبو لهب: قال ابن أخي: إنني سأصلى نارا ذات لهب، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقلت كلمة الإيمان. لكنه لم يقل ذلك وعلم الله الذي حكم عليه أنه لن يقول كلمة الإيمان. ألم يكن باستطاعة أبي لهب وزوجه أن يقولا في جمع: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويتم انتهاء المسألة؟ ولكن الله الذي لا معقب لحكمه قد قضى بكفرهم، وبعد أن ينزل الحق هذا القول الفصل في أبي لهب وزوجه يأتي قول الحق في ترتيبه المصحفي ليقول ما يوضح: إياكم أن تفهموا أن هذه القضية تنقض، فسيصلى أبو لهب نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب، وقال الحق بعدها مباشرة: