4.84
وحين ترى جملة فيها الفاء فاعلم أنها مسببة عن شيء قبلها، وإذا سمعت مثلا قول الحق سبحانه وتعالى:
ثم أماته فأقبره
[عبس: 21]. ومعنى ذلك أن القبر جاء بعد الموت، فإذا وجدت " الفاء " فاعرف أن ما قبلها سبب فيما بعدها، ويسمونها " فاء السببية ". فما الذي كان قبل هذه الآية لتترتب عليه السببية في قول الله سبحانه لسيدنا رسول الله: ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك.. ﴾ [النساء: 84] نقول: ما دام الأمر جاء ﴿ فقاتل.. ﴾ [النساء: 84]، فعلينا أن نبحث عن آيات القتال المتقدمة، ألم يقل قبل هذه الآية:
فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما
[النساء: 74]. والآية الثانية:
وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنسآء..
[النساء: 75]. إذن أمر القتال موجود من الله لمن؟ لرسول الله، والرسول يبلغ هذا الأمر للمؤمنين به، والرسول يسمعه من الله مرة واحدة لذلك فإنه صلى الله عليه وسلم أول من يصدق أمر الله في قوله:
فليقاتل في سبيل الله..
[النساء: 74]. ثم ينقلها إلى المؤمنين، فمن آمن فهو مصدق لرسول الله في هذا الأمر. فالرسول هو أول منفعل بالقرآن فإذا قال الحق:
فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا..
[النساء: 74]. أو عندما يقول له الحق:
وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله..
[النساء: 75]. وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول منفعل بأوامر الله، فإذا جاءه الأمر فعليه أن يلزم نفسه أولا به، وإن لم يستمع إليه أحد وإن لم يؤمن به أحد أو لم يتبعه أحد، وهذا دليل على أنه واثق من الذي قال له:
وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله
[النساء: 75] وما دام صلى الله عليه وسلم هو أول منفعل فعليه أولا نفسه لأنه صلى الله عليه وسلم بإقباله على القتال وحده، إنما يدل من سمع القرآن على أن الرسول الذي نزل عليه هذا القرآن، أول مصدق، ومحمد لن يغش نفسه. فقبل أن يأمر المؤمنين أن يقاتلوا، يقاتل هو وحده. ولذلك نجد أن سيدنا أبا بكر الصديق - رضوان الله عليه - حينما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وحدثت الردة من بعض العرب، وأصر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقاتل المرتدين وقال: لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لجالدتهم عليه بالسيف. وحاول بعض الصحابة أن يثني أبا بكر الصديق عن عزمه فقال: والله لو عصت يميني أن تقاتلهم لقاتلتهم بشمالي.
إذن فقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ فقاتل في سبيل الله.. ﴾ [النساء: 84] ينبهنا إلى أن هناك فرقا بين البلاغ وبين تنفيذ المبلغ. وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد سمع من الله، فهو ملزم بتطبيق الفعل أولا، وبعد ذلك يبلغ الرسول المؤمنين، فمن استمع إليه فعل فعله. وقول الحق: ﴿ لا تكلف إلا نفسك.. ﴾ هو تكليف بالفعل لا بالبلاغ فقط، فالرسول يبلغ، لكن أن يفعل المؤمنون ما بلغهم به عن الله أو لا يفعلوا فهذا ليس من شأنه ولا هو مكلف به. ولكن على الرسول أن يلزم ويكلف نفسه ليقاتل في سبيل الله. ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ﴾ [النساء: 84]. أمعنى ذلك أن يترك الرسول الذين آمنوا به لنفوسهم؟. لا، فالحق قد أوضح: عليك أيضا أن تحرضهم على القتال فلا تتركهم لنفوسهم: ﴿ وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا.. ﴾ [النساء: 84] ومعنى " حرض " مأخوذ من " الحرض " وهو ما به إزالة العوائق وما ينطف الأيدي والملابس مما يرين عليهم ويعلوها من الوسخ والدنس، فعليك يا رسول الله أن تنظر في أمر صحابتك وأتباعك وتعرف لماذا لا يريدون أن يقاتلوا، وعليك أن تنفض عنهم الموانع وتزيل العوائق التي تمنعهم أن يقاتلوا. ﴿ وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا.. ﴾ [النساء: 84]، وكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يقول لرسوله: إنك لا تنصر بالكثرة المؤمنة بك، ولكن المؤمنين هم ستر ليد الله في النصر، فالنصر منه سبحانه: