4.31
هذه الآية هي إحدى ثماني آيات قال عنها ابن عباس - رضي الله عنه -: في هذه السورة - سورة النساء - ثماني آيات خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس أو غربت، وقلنا: إن هذه الآيات تبدأ بقوله سبحانه:
يريد الله ليبين لكم..
[النساء: 26]،
والله يريد أن يتوب عليكم..
[النساء: 27]،
يريد الله أن يخفف عنكم..
[النساء: 28]، ثم جاءت: ﴿ إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه.. ﴾ [النساء: 31]. و " الاجتناب " ليس معناه عدم مزاولة الحدث أو الفعل، ولكن عدم الاقتراب من مظان الحدث أو الفعل حتى يسد المؤمن على نفسه مخايلة شهوة المعصية له وتصوره لها وترائيها له. هذه الآيات الكريمات كانت خيرا لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس أو غربت، لأنها تحمي من حمق الاختيار الذي وجد في الإنسان حين لا يلتزم بمنهج الله، ولو أن الإنسان كان مسيرا ومكرها على الفعل لارتاح من هذا الاختيار. وتعب الإنسان جاء من ناحية أن اغتر بميزته على سائر خلق الله، والميزة التي ميز الله بها الإنسان هي العقل الذي يختار به بين البديلات. بينما سائر الأجناس كلها رضيت من الله أن تكون مسخرة مقهورة على ما جعلها له بدون اختيار. ونعرف أن الحق قال:
إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]. فالإنسان قد ظلم نفسه، لأنه أرجح نفسه عند اختيار الشهوة أو اختيار مرادات منهج الله، بينما المقهورون أو المسخرون ليست عندهم هذه المسألة. وكل كائن منهم يقوم بعمله آليا وارتاح من حمق الاختيار - فهذه الآيات طمأنت الإنسان على أنه إن حمق اختياره في شيء فالله يريد أن يبصره، والله يريد أن يتوب عليه، والله يريد أن يخفف عنه. والله يريد إن اجتنب الكبائر أن يرفع عنه السيئات ويكفرها. كل هذه مطمئنات للنفس البشرية حتى لا تأخذها مسألة اليأس من حمق الاختيار، فيوضح: أنا خالقك وأعرف أنك ضعيف لأن عندك مسلكين: كل مسلك يغريك، تكليف الله بما فيه من الخير لك وما تنتظره من ثواب الله في الآخرة يغري، وشهوة النفس العاجلة تغري. وما دامت المسألة قد تخلخلت بين اختيار واختيار فالضعف ينشأ لذلك يوضح سبحانه: أنا أحترم هذا فيك لأنه وليد الاختيار، وأنا الذي وهبت لك هذا الاختيار. والحق حين وهب الاختيار لهذا الجنس الذي هو سيد الأجناس كلها، يحب أن يأتي لربه راغبا محبا: لأن هناك فارقا بين أن يسخر المسخر ولا يستطيع أن ينفلت عما قدر له أن يعمله، وتلك تؤديها صفة القدرة لله، لكن لم تعط لله صفة المحبوبية لأن المحبوبية أن تكون مختارا أن تطيع ومختارا أن تعصي ثم تطيع، هذه صفة المحبوبية، والله يريد من الإنسان أن يثبت بطاعته صفة المحبوبية له سبحانه، فالإنسان المحب لمولاه برغم أنه مختار أن يفعل الطاعة أولا يفعلها ينحاز بالإيمان إلى جانب الطاعة.
﴿ إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه.. ﴾ [النساء: 31] كأن الله بعد تكليفاته في أمور الأعراض والأموال وتكليفاته في الدماء من قتل النفس وغيرها، أوضح: إياكم أن تستقبلوا الأشياء استقبالا يجعلكم تيأسون من أنكم قد تعجزون عن التكليف لبعض الأمور، فأنا سأرضى باجتناب الكبائر من المساوئ: فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما، والجمعة للجمعة كفارة، ومن رمضان لرمضان كفارة، لكن بشرط ألا يكون عندكم إصرار على الصغائر لماذا؟ لأنك إن قدرت ذلك فقدر أنك لا تقدر على استبقاء حياتك إلى أن تستغفر، فلا تقل: سأفعل الذنب ثم أستغفر، هذه لا تضمنها، وأيضا تكون كالمستهزئ بربه. ﴿ إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم.. ﴾ [النساء: 31] في السيئات يقول: ﴿ نكفر عنكم سيئاتكم.. ﴾ [النساء: 31] وقلنا: إن " الكفر " هو " الستر " أي يسترها - ومعنى نسترها يعني لا نعاقب عليها، فالتكفير إماطة للعقاب، والإحباط إماطة للثواب. فإن ارتكب إنسان أمرا يستحق عليه عقابا وقد اجتنب الكبائر يكفر عنه الله أي يضع ويستر عنه العقاب، أما من عمل حسنة ولم يقبلها الله، فهو يحبطها، إذن فالتكفير - كما قلنا - إماطة العقاب، و " الإحباط " إماطة للثواب كما في قوله: