4.89
و ﴿ ودوا.. ﴾ [النساء: 89] ضميرها يعود على المنافقين الذين اختلف فيهم المسلمون إلى فئتين، وحكم الله في صالح الفئة التي أرادت أن تقف منهم موقف القوة والبطش والجبروت، فقال سبحانه وتعالى تعليلا لنفاقهم: ﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا.. ﴾ [النساء: 89] ثم إن تفاقهم معناه قلق يصيبهم من مستوى حالهم مع مستقبل الإسلام أو حاضره لأنهم كافرون بقلوبهم، ولكنهم يخافون أن يظهر الإسلام فيعاملهم معاملة الكافرين به، فيحاولون أن يظهروا أنهم مسلمون ليحتاطوا لنصرة الإسلام وذيوعه، فهم في كرب وتعب، وهذا التعب يجعلهم يديرون كثيرا من الأفكار في رءوسهم: يقولون نعلن أمام المسلمين أننا مسلمون، ونعلن أمام الكافرين أننا كافرون. وما الذي ألجأهم إلى هذا الحال، وقد كانوا قديما على وتيرة واحدة، ألسنتهم مع قلوبهم قبل أن يجيء الإسلام؟ إذن فالذي يعيدهم إلى حالة الاستقرار النفسي وينزعهم من القلق والاضطراب والخوف على حاضرهم ومستقبلهم هو أن تنتهي قضية الإسلام، فلا يكون هناك مسلمون وكافرون ومنافقون. بل يصير الكل كافرا. ﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا.. ﴾ [النساء: 89] والودادة عمل القلب، وعمل القلب تخضع له جميع الجوارح إن قدرت، فما داموا يودون أن يكون المسلمون كافرين، إذن سيقفون في سبيل انتصار المسلمين، وسيضعون العقبات التي تحقق مطلوبات قلوبهم. لذلك فاحذروهم، سأفضح لكم أمرهم لتكونوا على بينة من كل تصرفاتهم وخائنات أعينهم وخائنات ألسنتهم. ﴿ ودوا لو تكفرون.. ﴾ [النساء: 89] ونعرف أن كلمة " الكفر " تعني " الستر " ، فالفعل " كفر " معناه " ستر ". ومن عظمة الإيمان بالإسلام وعظمة الحق في ذاته هو أنه لا يمكن أبدا أن يطمسه خصومه، فاللفظ الذي جاء ليحدد المضاد لله هو عينه دليل على الإيمان بالله. فعندما نقول: " كفر بالله " أي " ستر وجوده " ، كأنه قبل أن يستر الوجود فالوجود موجود، ولذلك نجد أن لفظ " الكفر " نفسه دليل على الإيمان، فلفظ " الكفر " في ذاته تعني إيمانا موجودا يجاهد صاحبه نفسه أن يغطيه ويستره. ﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا.. ﴾ [النساء: 89]. وهذا القول جاء بعد أن قال الحق:
فما لكم في المنافقين فئتين..
[النساء: 88]. ويدل على أنهم يوصفون مرة بالمنافقين ويوصفون مرة بالكافرين. وسماهم الله في آية ب " المنافقين " ويصفهم الحق في هذه الآية بأنهم كفروا ﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا.. ﴾ [النساء: 89] والكفر الذي يجيء وصفه هنا يدل على مكنون القلب، فالنفاق لم يعطهم إلا ظاهريات الإسلام، لكن الباطنيات لم يأخذوها، ولذلك سيكونون في الدرك الأسفل من النار في الآخرة وإن كانوا في الدنيا يعاملون معاملة المسلمين احتراما لكلمة " لا إله إلا الله محمد رسول الله ".
لكن الله يعاملهم في الآخرة معاملة الكافرين، ويزيد عليهم أنهم في الدرك الأسفل من النار. إذن فأصحاب الباطل إن كانت لهم قوة يجعلون لسانهم مع قلوبهم في الجهر بالباطل، وإن كان عندهم ضعف يجعلون قلوبهم للباطل ولسانهم للحق. وهذه العملية ليست مريحة في كلا الموقعين. فالمريح لهم ألا توجد للحق طائفة. لذلك يقول سبحانه وصفا لحقيقة مشاعرهم: ﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء.. ﴾ [النساء: 89]. فهم يتمنون إزالة طائفة الحق حتى لا يكون هناك أحد أفضل من أحد، مثلما نقول: مفيش حد أحسن من حد. مثال ذلك: نجد مجموعة من الموظفين في مصلحة حكومية، ويكون من بينهم واحد مختلس أو لا يؤدي عمله على الشكل الراقي المطلوب، لذلك فهو لا يحب أن يؤدي الآخرون أعمالهم بمنتهى الإتقان، ويريدهم فاسدين، ويحاول أن يغريهم بالفساد حتى يكونوا مثله كي لا يظهروه أمام نفسه بمظهر النقيصة. وحتى لا يكون مكسور العين أمامهم. ومن العجيب أننا نجد الذي يسرق يحترم الأمين، وكثيرا ما نسمع عن لص من فور ما يعلم أن هناك كمينا ينتظره ليقبض عليه فهو يبحث عن رجل أمين يضع عنده المسروقات كأمانة. وقول الحق عن أمنية المنافقين الكافرين بقلوبهم هو أن يكون المؤمنون مثلهم ﴿ فتكونون سوآء.. ﴾ [النساء: 89]. وهذه شهادة في أن صاحب الباطل يحب من صاحب الحق أن يكون معه لأنه حين يجده في الحق، فصاحب الباطل يحتقر نفسه، وقد حدثت العجائب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد كفروا به وعذبوا صحابته، ولكنه هو الأمين باعترافهم جميعا. فها هو ذا الرسول صلى الله عليه وسلم يهاجر من مكة وخلف " عليا " كرم الله وجهه ليرد الودائع والأمانات التي عنده. هم كذبوه في الرسالة، ولكنه الأمين باعترافهم جميعا لذلك أودعوا عنده الأمانات. إذن فصاحب الفضيلة محترم حتى عند صاحب الرذيلة. وحتى نتعرف تماما على هذا المعنى، فلنفترض أن إنسانا وقع في مشكلة، سب أحدا من الناس ورفع المعتدي عليه دعوى فضائية على هذا المعتدي الذي سبه، ولهذا المعتدي صديق عزيز، استشهد به المعتدي عليه، فيقول المعتدي: أتشهد علي؟ ويذهب الصديق إلى المحكمة ليقول: " لا يقول صديقي مثل هذا السباب ". وهنا شهد الصديق لصديقه شهادة زور. ولنفترض أن هذا المعتدي قد تاب وأناب وصار من الأتقياء، وجعله الناس حكما بينهم، وجاء له الصديق الذي شهد الزور من أجله ليشهد أمامه، فهل يقبل شهادته؟ طبعا لا. إذن صاحب الفضيلة محترم حتى عند صاحب الرذيلة، فإذا ما حاول أحد من أصحاب الرذيلة أن يشد صاحب الفضيلة إلى خطأ، فهو يسعى إلى إضلاله، وينطبق على ذلك قول الحق: { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء.