تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.23

من الذي يحلل ويحرم؟ إنه الله، فهم رغم جاهليتهم وغفلتهم عن الدين حرموا زواج المحارم فحتى الذي لم يتدين بدين الإسلام توجد عنده محرمات لا يقربها. أي أنهم قد حرموا الأم والبنت والأخت.. إلخ، من أين جاءتهم هذه؟ الحق يوضح:

وإن من أمة إلا خلا فيها نذير

[فاطر: 24]. ومنهج السماء أنزله الله من قديم بدليل قوله:

قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى

[طه: 123]. فبمجرد أن خلق الله آدم وخلق زوجته، أنزل لهما المنهج، هذا المنهج مستوفى الأركان، إذن فبقاء الأشياء التي جاء الإسلام فوجدها على الحكم الذي يريده الإسلام إنما نشأ من رواسب الديانات القديمة، وإن أخذ محل العادة ومحل الفطرة، أي أن الناس اعتادوه وفطروا عليه، ولم يخطر ببالهم أن الله شرعه في ديانات سابقة. والعلوم الحديثة أعانتنا في فهم كثير من أحكام الله، لأنهم وجدوا أن كل تكاثر سواء أكان في النبات أم في الحيوان أم في الإنسان أيضا، كلما ابتعد النوعان " الذكورة والأنوثة " فالنسل يجيء قويا في الصفات. أما إذا كان الزوج والزوجة أو الذكر والأنثى من أي شيء: في النبات، في الحيوان، في الإنسان قريبين من اتصال البنية الدموية والجنسية فالنسل ينشأ ضعيفا، ولذلك يقولون في الزراعة والحيوان: " تهجن " أي نأتي للأنوثة بذكورة من بعيد. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول لنا: اغتربوا لا تضووا وقال:

" لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاويا ".

فالرسول يأمرنا حين نريد الزواج ألا نأخذ الأقارب، بل علينا الابتعاد، لأننا إن أخذنا الأقارب فالنسل يجيء هزلا. وبالاستقراء وجد أن العائلات التي جعلت من سنتها في الحياة ألا تنكح إلا منها، فبعد فترة ينشأ فيها ضعف عقلي أو ضعف جنسي أو ضعف مناعي، فقول رسول الله: " اغتربوا لا تضووا " أي إن أردتم الزواج فلا تأخذوا من الأقارب، لأنكم إن أخذتم من الأقارب تهزلوا، فإن " ضوي " بمعنى " هزل " فإن أردتم ألا تضووا، أي ألا تهزلوا فابتعدوا، وقبلما يقول النبي هذا الكلام وجد بالاستقراء في البيئة الجاهلية هذا. ولذلك يقول الشاعر الجاهلي:

أنصح من كان بعيد الهم

تزوج أبناء بنات العم

فليس ينجو من ضوى وسقم

فقد يضوي سليل الأقارب، وعندنا في الأحياء الشعبية عندما يمدحون واحدا يقولون: " فتوة " أي فتى لم تلده بنت عم قريبة. وفي النبات يقولون: إن كنت تزرع ذرة في محافظة الغربية لا بد أن تأتي بالتقاوى من محافظة الشرقية مثلا، وكذلك البطيخ الشيليان. يأتون ببذوره من أمريكا، فيزرعونها فيخرج البطيخ جميلا لذيذا، بعض الناس قد يرفض شراء مثل تلك البذور لغلو ثمنها، فأخذ من بذور ما زرع ويجعل منه التقاوى، ويخرج المحصول ضعيفا.

لكن لو ظل يأتي به من الخارج وإن وصل ثمن الكيلو مبلغا كبيرا فهو يأخذ محصولا طيبا. وكذلك في الحيوانات وكذلك فينا ولذلك كان العربي يقول: ما دك رءوس الأبطال كابن الأعجمية لأنه جاء من جنس آخر. أي أن هذا الرجل البطل أخذ الخصائص الكاملة في جنس آخر. فلقاح الخصائص الكاملة بالخصائص الكاملة يعطي الخصائص الأكمل، إذن فتحريم الحق سبحانه وتعالى زواج الأم والأخت وكافة المحارم وإن كانت عملية أدبية إلا أنها أيضا عملية عضوية. ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم.. ﴾ [النساء: 23] لماذا؟ لأن هذه الصلة صلة أصل، والصلة الأخرى صلة فرع، الأمهات صلة الأصل، والبنات صلة الفرع، ﴿ وأخواتكم.. ﴾ [النساء: 23] وهي صلة الأخ بأخته إنها بنوة من والد واحد، ﴿ وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة.. ﴾ [النساء: 23]. إذن فالمسألة مشتبكة في القرابة القريبة. والله يريد قوة النسل، قوة الإنجاب، ويريد أمرا آخر هو: أن العلاقة الزوجية دائما عرضة للأغيار النفسية، فالرجل يتزوج المرأة وبعد ذلك تأتي أغيار نفسية ويحدث بينهما خلاف مثلما قلنا في قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨٩٦