4.36
وعندما يقول لنا الحق: ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا.. ﴾ [النساء: 36] أي: إياكم أن تدخلوا في قضية من هذه القضايا؟ على غير طاعة الله في منهجه، والعبادة هي: طاعة العابد للمعبود، فلا تأخذها على أنها العبادات التي نفعلها فقط من: الصلاة والصوم والزكاة والحج لأن هذه أركان الإسلام، وما دامت هذه هي الأركان والأسس التي بني عليها الإسلام، إذن فالإسلام لا يتكون من الأركان فقط بل الأركان هي الأسس التي بني عليها الإسلام، والأسس التي بني عليها البيت ليست هي كل البيت لذلك فالإسلام بنيان متعدد.. فالذين يحاولون أن يأخذوا من المصطلح التصنيفي، أو المصطلح الفني في العلوم ويقولون: إن العبادات هي: الصلاة وما يتعلق بها، والزكاة والصوم والحج لأنها تسمى في كتب الفقه " العبادات " فلقد قلنا: إن هذا هو الاسم الاصطلاحي، لكن كل أمر من الله هو عبادة. ولذلك فبعض الناس يقول: نعبد الله ولا نعمل... نقول لهم: العبادة هي طاعة عابد لأمر معبود، ولا تفهموا العبارة على أساس أنها الشعائر فقط، فالشعائر هي إعلان استدامة الولاء لله. وتعطي شحنة لنستقبل أحداث الحياة، ولكن الشعائر وحدها ليست كل العبادة، فالمعاملات عبادة، والمفهوم الحقيقي للعبادة أنها تشمل عمارة الأرض، فالحق سبحانه وتعالى قال:
يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع..
[الجمعة: 9]. كأنه أخرجهم من البيع إلى الصلاة، ولم يخرجهم من فراغ بل أخرجهم من حركة البيع، وجاء ب " البيع " لأنه العملية التي يأتي ربحها مباشرة لأنك عندما تزرع زرعا ستنتظر مدة تطول أو تقصر لتخرج الثمار، لكن البيع تأتي ثمرته مباشرة، تبيع فتأخذ الربح في الحال.. والبيع - كما نعلم - ينظم كل حركات الحياة، لأن معنى البيع: أنه وسيط بين منتج ومستهلك، فعندما تبيع سلعة، هذه السلعة جاءت من منتج، والمنتج يبحث عن وسيط يبيعها لمستهلك، وهذا المستهلك تجده منتجا أيضا، والمنتج تجده أيضا مستهلكا... فالإنتاج والاستهلاك تبادل وحركة الحياة كلها في البيع وفي الشراء، وما دام هناك بيع ففيه شراء فهذا استمرار لحركة الحياة. والبائع دائما يحب أن يبيع، لكن المشتري قد لا يحب أن يشتري لأن المشتري سيدفع مالا والبائع يكسب مالا، فيوضح الله: أتركوا هذه العملية التي يأتي ربحها مباشرة، ولبوا النداء لصلاة الجمعة.. لكن ماذا بعد الصلاة؟ يقول الحق:
فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون
[الجمعة: 10]. إذن فهذا أمر أيضا. فإن أطعنا الأمر الأول:
فاسعوا إلى ذكر الله..
[الجمعة: 9] فالأمر في
فانتشروا في الأرض..
[الجمعة: 10] يستوجب الطاعة كذلك.. إذن فكل هذه عبادة، وتكون حركة الحياة كلها عبادة: إن كانت صلاة فهي عبادة، والصوم عبادة، وبعد ذلك.. ألا تحتاج الصلاة لقوام حياة؟ لابد أن تتوافر لك مقومات حياة حتى تصلي. وما هي مقومات حياتك؟ إنها طعام وشراب ومسكن وملبس، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.. إذن فجماع حركة الحياة كلها سلسلة عبادة، ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول:
اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..
[هود: 61]. إذن فكل عمل يؤدي إلى عمارة الكون واستنباط أسرار الله في الوجود يعتبر عبادة لله لأنك تخرج من كنوز الله التي أودعها في الأرض ما يلفت الناس إلى الحقيقة الكونية التي جاء بها الإيمان. وإياك أن تظن أن العبادة هي فقط العبادة التصنيفية التي في الفقه " قسم العبادات " و " قسم المعاملات " ، لا، فكله عبادة، لكن الحركات الحياتية الأخرى لا تظهر فيها العبادة مباشرة لأنك تعمل لنفعك، أما في الصلاة فأنت تقتطع من وقتك، فسميناها العبادة الصحيحة لأن العمليات الأخرى يعمل مثلها من لم يؤمن بإله، فهو أيضا يخرج للحياة ويزرع ويصنع.. ولماذا سموها العبادات؟ لأن مثلها لا يأتي من غير متدين. إنما الأعمال الأخرى من عمارة الكون والمصلحة الدنيوية فغير المتدين يفعلها ولكن كل أمر لله نطيعه فيه اسمه عبادة. هذا مفهوم العبادة الذي يجب أن يتأكد لنا أن نخلص العمل بالعقول التي خلقها الله لنا بالطاقات المخلوقة لنا، في المادة المخلوقة وهي الأرض وعناصرها لنرقى بالوجود إلى مستوى يسعدنا ويرضى الله عنه. ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا.. ﴾ [النساء: 36]. بعدما قال كل هذا الكلام السابق، لفتنا ربنا إلى قضية يجب أن نلحظها دائما في كل تصرفاتنا هي أن نأتمر بأمر الله في منهجه، وألا نشرك به شيئا لأن الشرك يضر قضية الإنسان في الوجود، فإن كنت في عمل إياك أن تجعل الأسباب في ذهنك أمام المسبب الأعلى، بل اقصد في كل عمل وجه الله. ويضرب الحق المثل لراحة الموحد ولتعب المشرك فقال: