تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[سبأ: 20] ولذلك قال إبليس أيضا:

لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا

[الإسراء: 62] وقال كذلك:

قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين

[ص: 82] مادام إبليس قد قال: ﴿ لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ﴾. فهذا اعتراف بأنه لن يستطيع أن يأخذ كل أولاد آدم. والفرض - كما نعلم - هو القطع. ويقال عن الشيء المفروض: إنه المقطوع الذي لا كلام فيه أبدا. وما وسيلة إبليس - إذن - لأخذ نصيب مفروض من بني آدم؟ ويوضح الحق لنا وسائل إبليس، على لسان إبليس: ﴿ ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن... ﴾.

4.119

في هذه الآية تفصيل لطرق أخذ إبليس لنصيب مفروض من بني آدم. فإبليس هو القائل كما يحكى القرآن:

لأقعدن لهم صراطك المستقيم

[الأعراف: 16] وعرفنا من قبل أنه لن يقعد إلا على الطريق الطيب لأن طريق من اختار السلوك السيئ لا يحتاج إلى شيطان لأنه هو نفسه شيطان لذلك لا يذهب إبليس إلى الخمارة، ولكنه يقف على باب المسجد ليرى الناس وهي تفعل الخير فيوسوس لهم، وفي هذا إجابة لمن يقولون: إن الوساوس تأتيني لحظة الصلاة. والصلاة - كما نعلم - هي أشرف موقف للعبد لأنه يقف بين يدي الرب لذلك يحاول الشيطان أن يلهي الإنسان عنها حتى يحبس عنه الثواب. وهذه الوساوس ظاهرة صحية في الإيمان، ولكنها تحتاج إلى اليقظة، فساعة ينزغ الشيطان الإنسان نزغة فليتذكر قول الحق:

وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله

[الأعراف: 200] وعندما نستعيذ بالله فورأ يعرف الشيطان أنك منتبه له، حتى ولو كنت تقرأ القرآن في أثناء الصلاة ووسوس لك الشيطان، اقطع القراءة واستعذ بالله، ثم واصل القراءة والصلاة، وحين يعرف الشيطان أنك منتبه له مرة واثنتين وثلاثا فهو يبتعد عنك فلا يأتي لك من بعد ذلك إلا إذا أحس منك غفلة. ويبين لنا الحق طريقة الشيطان في أخذ النصيب المفروض من عباد الله فقال عن إبليس: " ولأضلنهم ". والإضلال معناه أن يسلك الشيطان بالإنسان سبيلا غير مؤد للغاية الحميدة لأنه حين يسلك الشخص أقصر الطرق الموصلة إلى الغاية المنصوبة، فمعنى ذلك أنه اهتدى، وأما إذا ذهب بعيدا عن الغاية، فهذا هو الضلال. والحق سبحانه وتعالى بوضعه منهج الهداية أعطانا أقصر طريق مستقيم إلى الغاية فإذا ما انحرفنا هنا أو هناك، فالانحراف في البداية يتسع حتى ننتهي إلى غير غاية. وضربنا قديما هذا المثل وقلنا: إن هناك نقطة في منتصف كل دائرة تسمى مركز الدائرة، فإذا ما انحرف المتجه إليها بنسبة واحد على الألف من الملليمتر فتتسع مسافة ابتعاده عنها كلما سار على نسبة الانحراف نفسها، برغم أنه يفترض في أن كل خطوة يخطوها تهيئ له القرب إلى الغاية. لقد ضربنا مثلا توضيحيا ب " الكشك " الذي يوجد قبل محطات السكك الحديدية، حيث ينظم عامل " الكشك " اتجاهات القطارات على القضبان المختلفة ويتيح لكل قطار أن يتوقف عند رصيف معين حتى لا تتصادم القطارات، ومن أجل إنجاح تلك المهمة نجد عامل التحويلات في هذا " الكشك " يحرك قضيبا يكون سمكه في بعض الأحيان عددا من الملليمترات، ليلتصق هذا القضيب بقضيب آخر وبذلك يسمح لعجلات القطار أن تنتقل من قضيب إلى آخر. الضلال - إذن - أن يسلك الإنسان سبيلا غير موصل للغاية، وكلما خطا الإنسان خطوة في هذا السبيل ابتعد عنها، وهذا الابتعاد عن الغاية هو الضلال البعيد، والإضلال من الشيطان يكون بتزيينه الشر والقبح للإنسان ليبعده عن مسالك الخير والفضيلة.

ومن بعد ذلك يأتي على لسان الشيطان ما قاله الحق في هذه الآية: " ولأمنينهم " والأماني هي أن ينصب الإنسان في خياله شيئا يستمتع به من غير أن يخطو له خطوة عمل تقربه من ذلك، ومثال ذلك الإنسان الذي نراه جالسا ويمني نفسه قائلا: سيكون عندي كذا.. وكذا وكذا ولا يتقدم خطوة واحدة لتحقيق ذلك. ولذلك يقول الشاعر تسلية لنفسه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١١٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١١٣٩