4.24
وقول الحق: ﴿ والمحصنات من النسآء.. ﴾ [النساء: 24] هو قول معطوف على ما جاء في الآية السابقة من المحرمات، أي سيضم إلى المحرمات السابقات المحصنات من النساء، ومن هن المحصنات من النساء؟ الأصل في الاشتقاق عادة يوجد معنى مشتركا. فهذه مأخوذة من " الحصن " ، وهو مكان يتحصن فيه القوم من عدوهم، فإذا تحصنوا فيه امتنعوا على عدوهم، أما إذا لم يكونوا محصنين فهم عرضة أن يغير عليهم عدوهم ويأخذهم، هذا هو أصل الحصن، والاشتقاقات التي أخذت من هذه كثيرة: منها ما جاء في قوله تعالى:
ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها..
[التحريم: 12]. و ﴿ أحصنت فرجها.. ﴾ [التحريم: 12] يعني أنها عفت ومنعت أي إنسان أن يقترب منها، وهنا قوله: ﴿ والمحصنات.. ﴾ [النساء: 24] في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، المقصود بها المتزوجات، فما دامت المرأة متزوجة، فيكون بضعها مشغولا بالغير، فيمتنع أن يأخذه أحد، وهي تمتنع عن أي طارئ جديد يفد على عقدها مع زوجها. هذا معنى ﴿ والمحصنات من النسآء.. ﴾ [النساء: 24]، فالمحصنات هنا هن العفيفات بالزواج، والحق يقول:
فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب..
[النساء: 25]. فما دامت الإماء قد أحصن بالزواج، هل يكن من المحصنات كالحرائر؟ لا، فهذه غير تلك، فهن لا يدخلن في المحصنات من الحرائر، وإلا لو دخلن في المحصنات يكون الحكم واحدا، فهو سبحانه يقول:
فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب..
[النساء: 25]، وأصل الإحصان وهو العفة.. توصف به الحرة لأن الحرة عادة لا يقربها أحد. وهذه امرأة أبي سفيان في بيعة النساء قالت: وهل تزني الحرة؟ كأن الزنى كان خاصا بالإماء لأنهن المهينات وليس لهن أب أو أم أو عرض، قد يجترئ عليها أي واحد، وليس لها شوكة ولا أهل، ولذلك جاء عقابها نصف عقاب الحرة لأن الأمة يحوم حولها من الناس من تسول له نفسه فعل الفاحشة. إذن فالإحصان يطلق ويراد به العفة، ويطلق الإحصان ويراد به أن تكون حرة، ويطلق الإحصان ويقصد به أن تكون متزوجة، وتطلق المحصنات على الحرائر. فالوضع العام للحرة هو الذي يجعل لها أهلا ولا يجترئ عليها أحد، لكن هب أن امرأة متزوجة ثم حدث خلاف أو حرب بين قومها وبين المؤمنين وصارت أسيرة لدى المسلمين مع أنها متزوجة بطريقتهم في بلادها، وهي بالأسر قد انتقلت من هذا الزواج وجاءت في البيئة الإسلامية وصارت مملوكة، ومملوكيتها وأسرها أسقطت عنها الإحصان، فقال: ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم.. ﴾ [النساء: 24]. إذن فهي بملك اليمين يسقط عنها الإحصان، وللمسلم أن يتزوجها أو أن يستمتع بها إذا دخلت في ملكه وإن كانت متزوجة لأن هناك اختلافا في الدارين، هي في دار الإسلام، وخرجت من دار حرب فصارت ملك يمين، ولا يكون هذا إلا بعد استبرائها والاستيثاق من خلو رحمها من جنين يكون قد جاءت به من قومها لقوله صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس:
" لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض "
وهذا تكريم لها لأنها عندما بعدت عن زوجها وصارت مملوكة ملك يمين فلم يرد الحق أن يعضلها بل جعلها تتمتع بسيدها وتعيش في كنفه كي لا تكون محرومة من التواصل العاطفي والجسدي، بدلا من أن يلغ سيدها في أعراض الناس. ﴿ والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم.. ﴾ [النساء: 24] و ﴿ كتاب الله.. ﴾ [النساء: 24] يعني: كتب الله ذلك كتابا عليكم، وهو أمر مسجل موثق، وكما هو كتاب عليكم فهو لكم أيضا، ويقول الحق: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم.. ﴾ [النساء: 24]. إذن فالمحرمات هن: محرمات نسب، ومحرمات رضاع، ومحرمات إحصان بزواج. ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم.. ﴾ [النساء: 24] أي أحل لكم أن تتزوجوهن، ولذلك قال: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا.. ﴾ [النساء: 24] أي تطلبوا " بأموالكم محصنين " والمال نعلم أنه ثمرة الحركة. والحركة تقتضي التعب والمشقة، وكل إنسان يحب ثمرة عمله، وقد يدافع عنها إلى أن يموت دون ماله لأن المال ما جاء إلا ثمرة جد، وحتى إذا ما جاء المال عن ميراث فالذي ورثك أيضا ما ورثك إلا نتيجة كد وتعب، وعرفنا أن الذي يتعب مدة من الزمن تساوي عشر سنوات قد يرزقه الله ما يكفيه أن يعيش بعدها مرتاحا، والذي يتعب عشرين سنة قد يرزقه الله ما يكفيه أن يعيش ولده مرتاحا، والذي يتعب ثلاثين سنة يعيش حفيده مرتاحا. إذن فكل ما تراه من مال موروث كان نتيجة جد وكد ومشقة من الآباء، وإذا ما قال الحق: ﴿ أن تبتغوا بأموالكم.. ﴾ [النساء: 24] دل على أن مقابل البضع يكون من جهة الرجل.. ﴿ أن تبتغوا بأموالكم.. ﴾ [النساء: 24] التي قال عنها سيدنا رسول الله: