4.53
وما هي حكاية قوله: ﴿ أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ﴾ [النساء: 53]؟ إنه - سبحانه - يصفهم بفرط البخل وشدة الشح، أي أنهم - في واقع الأمر - ليس لهم ملك الدنيا وليس لهم - أيضا - ملك الله فالملك له وحده - جل شأنه - يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء ولكنهم لو أعطوا ملك الدنيا وملك الله لبخلوا وضنوا بما في أيديهم. كما جاء في قوله سبحانه:
قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا
[الإسراء: 100]. أي: أنكم تخشون الإنفاق حتى لا تقل الأموال عندكم، فلو أخذتم خزائن ربنا فستقولون لو أخذنا منها وأعطينا الناس لقلت! وفحوى العبارة: أن كل هؤلاء سواء أكانوا كفار قريش أم كبراء اليهود، كانوا يحافظون على مكانتهم وأموالهم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليسوي بين الناس، فمن الذي يحزن؟ الذي يحزن هم الذين كانت لهم السيادة لأنهم لا يريدون أن تتساوى الرءوس، وياليتهم عندما أخذوا السيادة جعلوها خيرا للناس، لكنهم لم يفعلوا. فلو كان لهم الملك والأموال لن يعطوا للناس نقيرا لأن الإنسان بطبيعته لا ينزل عن جبروته لأن هذا الجبروت يعطيه سلطانا، وما دام الجبروت أعطاه سلطانا فلا يلتفت إلى حقيقة الإيمان، فإن خير الخير أن يدوم الخير، فليس فقط أن تكون في خير وسلطة لكن اضمن أنه يدوم، وهذا الدوام ستأخذه بعمر الدنيا وأمدها قليل وعمرك فيها غير مضمون، إذن فدوام الخير هناك في الآخرة:
لا مقطوعة ولا ممنوعة
[الواقعة: 33]. فأنتم إن كنتم تحرصون على هذا الجاه، وتريدون أن يكون لكم هذا الملك والجاه والعظمة فهل أنتم تعطون الناس من خيركم هذا حتى يكون هناك عذر لكم في الحرص على المال بأن الناس تستفيد منكم؟ فلماذا تريدون أن يديم ربنا عليكم هذه وأنتم في قمة البخل والشح؟ لا يمكن أن يديمها عليكم. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول في سورة الفجر يوضح هذه العملية:
فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن
[الفجر: 15-16]. إذن فالذي عنده نعمة يقول:
ربي أكرمن
[الفجر: 15]، والذي ليس عنده نعمة يقول:
ربي أهانن
[الفجر: 16]، فيقول الحق تعقيبا على القضيتين
كلا..
[الفجر: 17]. وما دام سبحانه يقول تعقيبا على القضيتين:
كلا..
[الفجر: 17] فمعنى هذا أن كلا الطرفين كاذب فأنت تكذب يا من قلت: إن النعمة التي أخذتها دليل الإكرام، وأنت كذاب أيضا يا من قلت: عدم المال دليل الإهانة، فلا إعطاء المال دليل الإكرام، ولا سلب المال دليل الإهانة. وهي قضية غير صادقة وخاطئة من أساسها.
وقال الحق في حيثيات ذلك:
كلا بل لا تكرمون اليتيم
[الفجر: 17]. أي عندكم المال ولا تكرمون اليتيم، إذن فهذا المال هو حجة عليكم، فهو ليس إكراما لكم بل سيعذبكم به. ويضيف سبحانه:
ولا تحآضون على طعام المسكين
[الفجر: 18]. فكيف يكون المال - إذن - إكراما وهو سيأتيك بمصيبة؟ فعدمه أفضل فالمال الذي يوجد عند إنسان ولا يرعى حق الضعفاء فيه هو وبال وشر لأن الحق يقول:
سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة..
[آل عمران: 180]. فإن بخلت كثيرا فستطوق بغل أشد ولذلك عندما يشتد عليه الغل يقول: يا ليتني خففت هذا الغل، والحق يتساءل في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها لماذا يتفقون مع معسكر الشرك، ويتركون النصيب الذي أعطوه من الكتاب، ويذهبون ليقولوا للذين كفروا: أنتم أهدى من محمد سبيلا مع أنهم يعلمون بحكم ما عندهم من نصيب الكتاب أن محمدا على حق؟ لقد كانوا يحافظون على سيادتهم، ومعسكر الشرك يحافظ على سيادته، ونعلم أن اليهود كانوا في المدينة من أصحاب الثروات، وكانوا يعيشون على الربا، وهم أصحاب الحصون، وأصحاب الزراعات وأصحاب العلم، إذن فقد أخذوا كل عناصر السيادة. وعندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم تزلزلت كل هذه المسائل من تحت أقدامهم، وحزنوا. وكذلك كفار قريش: كانت لهم السيادة على كل الجزيرة، فلا يستطيع أحد من أي قبيلة في الجزيرة أن يتعرض لقافلة قريش لأن القبائل تخاف من التعرض لهم، ففي موسم الحج تذهب كل القبائل في حضن قريش. والمهابة المأخوذة لهم جاءت لهم من البيت الحرام الذي حفظه الله ورعاه وهزم من أراده بسوء ورد كيده ودمره تدميرا تاما. كما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى: