4.135
وساعة ينادي الحق عباده المؤمنين قائلا: يا أيها الذين آمنوا، فكأنه يقدم حيثية الحكم الذي يأتي بعده، ونحن نرى القضاء البشري قبل أن ينطق بمنطوق الحكم، يورد حيثيته، فيقول: " بما أن المادة القانونية رقم كذا تنص على كذا، حكمنا بكذا ". إذن: فالحيثيات تتقدم الحكم. وحيثيات الحكم الذي يحكم به الله هي الإيمان به، مثل قول الحق:
يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام
[البقرة: 183] حيثية الكتابة هنا وفي أي حكم آخر هي إيمان العبد بالله ربا، فليسمع العبد من ربه. وسبحانه لا يكلف كل الناس بالتكاليف الإيمانية، ولكنه يكلف المؤمنين فقط. وهو يقول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ﴾ فالمؤمن يدخل على الإيمان بقمة القسط، فالقسط هو العدل، والعدل أن يعطي العادل كل ذي حق حقه. وحق الإله الواحد أن يؤمن به الإنسان ويعترف أنه إله واحد. إن قمة القسط - إذن - هي الإيمان. ومادام المؤمن قد بدأ إيمانه بقمة القسط وهو الإيمان، فليجعل القسط سائدا في كل تصرفاته. وإياك أن تجعل القسط أمرا أو حدثا يقع مرة وينتهي، وإلا لما قال الحق مع إخوانك المؤمنين: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ﴾. ولم يقل الحق لك مع إخوانك المؤمنين: كونوا قائمين بالقسط، بل قال ﴿ كونوا قوامين بالقسط ﴾ أي أن المطلوب هو الاستمرارية للسلوك العادل. فنحن نقول: " فلان قائم " و " فلان قوام ". ونعرف أن كلمة " قوام " هي صيغة مبالغة. وعلى ذلك يكون الأمر الألهي لكل مؤمن: لا تقم بالقسط مرة واحدة فقط، بل اجعله خصلة لازمة فيك، ولتفعل القسط في كل أمور حياتك. والقسط كما علمنا من قبل في ظاهر أمره هو العدل، وأيضا الأقساط هي العدل. وقد أحدثت كلمة " القسط " ضجة عند العلماء، وقلنا تعليقا على ذلك: إن المسألة بسيرة.. فقسط يقسط قسوطا أي جار وظلم، فإذا أذهب الإنسان الجور والظلم يقال: " أقسط فلان " أي أذهب الجور. إذن: " القسط - بكسر القاف - هو العدل الابتدائي، لكن الإقساط هو عدل أزال جورا كان قد وقع. وهب أن أناسا جاءوا لقاض فحكم بينهم بالعدل، فهذا هو القسط، وقد يستأنف أحد الطرفين حكم المحكمة الابتدائية ووجدت محكمة الاستئناف خطأ في التطبيق فأصدرت حكما بإزالة الجور، وهذا الحكم الذي من الدرجة الثانية اسمه إقساط. وهكذا ينتهي جدل العلماء حول هذه المسألة، فالقسط عدل من أول درجة، والإقساط يعني أنه كان هناك جور فرفع، لأنه مسبوق بهمزة اسمها " همزة الإزالة " ، فيقال: أعجم الكتاب. أي أن الكتاب كان فيه عجمة، أي كان بالكتاب شيء مستتر وخفي عليهم فأزال ما به من عجمة.
وتسمى قواميس اللغة " المعاجم " والواحد معجم أي يعطي معاني الألفاظ فيزيل خفاءها. وكذلك معنى " أقسط " أي أزال الجور. والحق يقول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ﴾ فأنت أيها المؤمن قد فعلت بالعقل أول مرتبة في القسط ورددت الإيمان إلى الرب فهو المستحق له وعليك إشاعة كل القسط في كل سلوكك. ﴿ كونوا قوامين بالقسط شهدآء لله ﴾ ولا يكفي أن يكون المؤمن قائما بالقسط فقط، بل لابد أن تكون الشهادة لله. لماذا؟. هب أن رجلا كافرا بالله - والعياذ بالله - ويقيم العدل بين الناس لكنه لا يدخل بذلك العدل في حيثية الإيمان، فالذي يدخل في حيثية الإيمان يكون قائما بالقسط وفي باله الله وبذلك تكون الشهادة وإقامة حقوق الله لا لمنفعة ولا لغاية ولا لهوى ولا لغرض، وإنما ليستقيم كون الله كما أراد الله، وإلا لو حكم أحد بهوى لفسدت الأرض، والحق يقول:
ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن
[المؤمنون: 71] لذك لا بد أن يكون المؤمن قواما بالقسط وفي باله الله، ولذلك فالقيام بالقسط وحده لا يكفي، ونحن نسمع: فلان عادل ولو أنه من ديانة أخرى غير الإسلام أو كان ملحدا. ونقول: هذا العادل من أي دين أو عقيدة غير الإسلام يأخذ ثناء البشر لكنه لا يأخذ ثناء الله ولا ثوابه، ولذلك فالقوام بالقسط يجب أن يفعل بقصد امتثال أمر الله لينال الثواب من الله. ﴿ كونوا قوامين بالقسط شهدآء لله ولو على أنفسكم ﴾ والشاهد في العادة هو من يشهد لمصلحة واحد ضد آخر، وعندما يقر الشاهد بذنب فهو قد شهد على نفسه، والشاهد لمصلحة واحد إنما يفعل ذلك ليرجح الحكم، والشاهد على نفسه يقر بما فعل، والإقرار سيد الأدلة. وشهادة الشاهد تقدم للقاضي الدليل الذي يرتب عليه الحكم. وهكذا يشهد المؤمن على نفسه. وهناك معنى آخر: أنه يشهد على نفسه ولو كانت الشهادة تجر وبالا عليه، وهذه المعاني من معطيات الإشعاعات القرآنية فالمؤمن يشهد على نفسه للإقرار، وقد لا تكون الشهادة على النفس بل قد تكون الشهادة واجبة عليه يؤديها لمصلحة غيره ولا يخاف فيها الشاهد من السلطان حتى وإن جار السلطان على المؤمن وأصابه بوبال في نفسه أو ماله، ومن الناس من أصابه وبال في نفسه أو أهله من السلطان لمجرد كلمة حق قيلت. فالسلطان قد لا يأخذ الإنسان بذنبه، بل قد يأخذ أهل الإنسان بهذا الذنب. والحق يوضح للعبد: لا تهتم بذلك ولا تقولن سيعذبون العيال أو سيأخذون كل شيء، إنني أنا الموجود المتكفل بعبادي. ويطلب الحق من المؤمنين: ﴿ كونوا قوامين بالقسط شهدآء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ﴾.