4.68
ونحن أمام أمرين: إما أن يقتلوا، وإما أن يخرجوا من ديارهم، فقوله: ﴿ ولهديناهم صراطا مستقيما ﴾ [النساء: 68] لمن؟ للذي قتل أم لمن خرج؟ هو قول لمن أخرج من دياره لأنه ما زال على قيد الحياة. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ ومن يطع الله... ﴾.
4.69
والفعل هنا: ﴿ يطع.. ﴾ [النساء: 69] والمطاع هو: الله والرسول، أي أن هذا الأمر تشريع الله مع تطبيق رسوله، أي بالكتاب والسنة، وساعة تجد الرسول معطوفا على الحق بدون تكرير الفعل فاعلم أن المسألة واحدة.. أي ليس لكل واحد منهما أمر، بل هو أمر واحد، قول من الله وتطبيق من الرسول لأنه القدوة والأسوة ولذلك يقول الحق في الفعل الواحد:
وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك..
[التوبة: 74]. فما أغناهم الله غنى يناسبه وأغناهم الرسول غنى يناسبه فالفعل هنا واحد. فالغنى هنا من الله ورسوله لأن الرسول لا يعمل إلا بإذن ربه وامتثالا لأمره، فتكون المسألة واحدة. هناك قضية تعرض لها الكتاب وهي قضية قد تشغل كثيرا من الناس الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان مجلسه صلى الله عليه وسلم لا يصد عنه قادم، يأتي فيجلس حيث ينتهي به المجلس، فالذي يريد النبي دائما يستمر في جلوسه، والذي يريد أن يراه كل فترة يأتي كلما أراد ذلك فثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قليل الصبر عنه، فأتاه يوما ووجهه متغير وقد نحل وهزل جسمه، وعرف الحزن في وجهه، فسأله النبي قائلا: ما بك يا ثوبان؟ فقال والله ما بي مرض ولا علة، ولكني أحبك وأشتاق إليك، وقد علمت أني في الدنيا أراك وقتما أريد، لكنك في الآخرة ستذهب أنت في عليين مع النبيين، وإن دخلت الجنة كنت في منزل دون منزلك، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبدا. ونص الحديث كما رواه ابن جرير - بسنده - عن سعيد بن جبير قال:
" جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو محزون - فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " يا فلان مالي أراك محزونا "؟ فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه فقال: " ما هو "؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا فأتاه جبريل بهذه الآية: ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين.. ﴾ ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليه فبشره ".
وكيف تأتي هذه على البال؟! إنه إنسان مشغول بمحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفكر: هل ستدوم له هذه النعمة؟ وتفكر في الجنة ومنازلها وكيف أن منزلة الرسول ستعلو كل المنازل.
وثوبان يريد أن يطمئن على أن نعمة مشاهدته للنبي صلى الله عليه وسلم لن تنتهي ولن تزول منه، إنه يراه في الدنيا، وبعد ذلك ماذا يحدث في الآخرة: فإما أن يدخل الجنة أو لا يدخلها، إن لم يدخل الجنة فلن يراه أبدا. وإن دخل الجنة والنبي في مرتبة ومكانة عالية. فماذا يفعل؟ انظر كيف يكون الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله سبحانه وتعالى يلطف بمثل هذا المحب الذي شغل ذهنه بأمر قد لا يطرأ على بال الكثيرين، فيقول الحق سبحانه وتعالى تطمينا لهؤلاء: ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك.. ﴾ [النساء: 69] أي المطيعون لله والرسول ﴿ مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ﴾ [النساء: 69] والمسألة جاءت خاصة بثوبان، بعد أن نبه الأذهان إلى قضية قد تشغل بال المحبين لرسول الله، فأنت مع من أحببت، ولكن الأمر لا يقتصر على ثوبان. لقد كان كلام ثوبان سببا في الفتح والتطمين لكل الصديقين والشهداء والصالحين. وهي أصناف تستوعب كل المؤمنين، فأبو بكر الصديق صديق لماذا؟ لأنه هو: المبالغ في تصديق كل ما يقوله سيدنا رسول الله، ولا يعرض هذا القول للنقاش أو للتساؤل: أي هذه تنفع أو لا تنفع؟ فعندما قالوا لسيدنا أبي بكر: إن صاحبك يدعي أنه أتى بيت المقدس وعاد في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل، ماذا قال أبو بكر؟ قال: إن كان قال ذلك لقد صدق. لم يعلل صدقه إلا ب " إن كان قد قال ذلك " ، فهذا هو الصديق الحق، فكلما قال محمد شيئا صدقه أبو بكر، وأبو بكر - رضوان الله عليه - لم ينتظر حتى ينزل القرآن مصدقا للرسول - صلى الله عليه وسلم - بل بمجرد أن قال صلى الله عليه وسلم: إني رسول. قال أبو بكر: نعم. إذن فهو صديق. لقد كانت هناك تمهيدات لأناس سبقوا إلى الإسلام لأن أدلتهم على الإيمان سبقت بعثة الرسول، هم جربوا النبي عليه الصلاة والسلام، وعرفوه، فلما تحدث بالرسالة، صدقوه على الفور لأن التجارب السابقة والمقدمات دلت على أنه رسول، ومثال ذلك: سيدتنا خديجة - رضوان الله عليها - ماذا قالت عندما قال لها النبي: إنه يأتيني كذا وكذا وأخاف أن يكون هذا رئيا ومسا من الجن يصيبني. فقالت خديجة: " كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ". وهذا أول استنباط فقهي في الإسلام. هذا هو معنى ﴿ من النبيين والصديقين.. ﴾ [النساء: 69]، ﴿ والشهدآء.. ﴾ [النساء: 69] هم الذين قتلوا في سبيل الله، لكن على المؤمن حين يقاتل في سبيل الله ألا يقول: أنا أريد أن أموت شهيدا.