تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.95

ولهذه الآية قصة، واقتناص الخواطر من هذه القصة يتطلب يقظة تعلمنا كيف يخاطب الحق خلقه. فقد حدثنا سيدنا زيد بن ثابت وهو المأمون على كتابه وحي رسول الله. وهو المأمون على جمع كتاب الله من اللخاف ومن العظام ومن صدور الصحابة، حدثنا فقال: - كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغشيته السكينة - وهذه كانت دائما تسبق نزول الوحي على رسول الله - فوقعت فخذه على فخذي حتى خشيت أن ترضها. أي أن فخذ رسول الله كانت ثقيلة. والوحي ساعة كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما كان يصنع في كيماوية رسول الله تأثيرا ماديا بحيث إذا كان على دابة عرف الناس أنه يوحى إليه لأن الدابة كانت تئط تحته فإذا كانت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذ زيد بن ثابت، فلا بد أن يشعر سيدنا زيد بثقل فخذ رسول الله وقد جاءه الوحي. قال زيد: خشيت أن ترض فخذه فخذي - أي تصيبها بالدق الشديد أو الكسر. فلما سري عنه قال اكتب: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون " ، فقال سيدنا ابن أم مكتوم، وكان - كما نعلم - ضريرا مكفوف البصر قال: فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين يا رسول الله؟ إنها اليقظة الإيمانية من ابن أم مكتوم، لأنه فهم موقفه من هذا القول، ومن أنه لا يستطيع الجهاد، وعلم أنه إن كانت الآية ستظل على هذا فلن يكون مستويا مع من جاهد، ولهذا قال قولته اليقظة: فكيف بمن لا يستطيع ذلك يا رسول الله؟ فأخذت رسول الله السكينة ثانية، ثم سرى عنه، فقال لزيد بن ثابت: اكتب: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ". فكأنها نزلت جوابا مطمئنا لمن لا يستطيع القتال مثل ابن أم مكتوم. ولقائل أن يقول: وهل كانت الآية تنتظر أن يستدرك ابن أم مكتوم ليقول هذا؟. ونقول: إن الحق سبحانه وتعالى أراد أن ينبه كل مؤمن أنه حين يتلقى كلمة من الله أن يتدبر ويتبين موقعه من هذه الكلمة فإذا كان ذلك حال سيدنا ابن أم مكتوم فيما سمع رسول الله عن ربه فهو يعلمنا كيف نستحضر دورنا من أية قضية نسمعها. وحينما سمع ابن أم مكتوم الآية رأي موقفه من هذه الآية، وهذا ما يريده الحق من خلقه. وقال زيد بن ثابت: فكتبتها. إنها الدقة في أداء زيد بن ثابت لتدلنا على صدق الرواية، فحين يكتب أولا " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون " ألا تلتصق كلمة " والمجاهدون " بكلمة " المؤمنين " فإذا زاد الحق سبحانه وتعالى " غير أولي الضرر " فأين تكتب؟ كأن زيد بن ثابت كان عليه أن يقوم بتصغير الكتابة ليكتب " غير أولي الضرر " بين كلمة " من المؤمنين " وكلمة " والمجاهدون ".

قال سيدنا زيد بن ثابت: لقد نزلت " غير أولي الضرر " وحدها وكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع الكتف - فقد كانوا يكتبون على أكتاف العظم - والكتف التي كتب عليها سيدنا زيد بن ثابت كانت مشروخة وكانت هذه علامة بها. ويريد الحق بذلك أن ينبه المؤمنين إلى أنهم حين يتلقون كتاب الله يجب أن يتلقوه بيقظة إيمانية بحيث لا تسمع آذانهم إلا ما يمر على عقولهم أولا ليفهم كل مؤمن موقفه منها، وتمر الآية على قلوبهم ثانية لتستقر في ذاتهم عقيدة. كذلك كانت قصة زيد بن ثابت وابن أم مكتوم والوحي في هذه الآية: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون.. ﴾ [النساء: 95]. وهناك حالات يأتي الفعل فلا يصلح له فاعل واحد بل لا بد له من اثنين، مثال ذلك عندما نقول: تشارك زيد وعمرو. وعندما نصف لاعبي الكرة، نجد من يتلقف الكرة واحدا بعد الآخر، فنقول: تلقف اللاعبون الكرة رجلا بعد رجل. وعندما يقول الحق: ﴿ لا يستوي.. ﴾ [النساء: 95] فهذا يدل على أن هناك شيئين لا يتساويان، فأيهما غير المساوي للآخر؟. كلاهما لا يتساوى مع الآخر، ولذلك يكون الاثنان في الإعراب " فاعلا " ، فلا يساوي المجاهدون القاعدين ولا يساوي القاعدون المجاهدين لأن كلا منهما فاعل ومفعول. وعندما يقول الحق: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين.. ﴾ [النساء: 95] فما هو مقابل " القاعدين " في الآية الكريمة؟ إنه " المجاهدون " ، لكن المقابل في الحياة العادية لل " القاعدين " هو " القائمون " ، ومقابل " المجاهدين " هو " غير المجاهدين ". وبذلك كان من الممكن القول. لا يستوي القاعدون والقائمون، أو أن يقال: لا يستوي المجاهدون وغير المجاهدين. فما الحكمة في مجيء القاعدين والمجاهدين؟ إن الحق يريد أن يبين أنه في بداية الإسلام كان كل مؤمن حين يدخل الإسلام يعتبر نفسه جنديا في حالة تأهب، وكانوا دائما على درجة استعداد قصوى ليلبوا النداء فورا فالمسلم لم يكن في حالة استرخاء، بل في تأهب وكأنه واقف دائما ليلبي النداء، وكأن القاعد هو الذي ليس من صفوف المؤمنين، ويبين لنا ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١١٠٦