تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.37

وما معنى البخل؟ إنه مشقة الإعطاء. فعندما يقطع حاجة من خاصة ماله ليعطيها لغيره يجد في ذلك مشقة ولا يقبل عليها، لكن الكريم عنده بسط يد، وأريحية. ويرتاح للمعروف، إذن فالبخل معناه مشقة الإعطاء، وقد يتعدى البخل ويتجاوز الحد بضن الشخص بالشيء الذي لا يضر بذله ولا ينفع منعه لأنه لا يريد أن يعطي. وهذا البخل والشح يكون في نفس البخيل لأنه أولا قد بخل على نفسه، فإذا كان قد بخل على نفسه، أتريد أن يجود على الناس؟ والشاعر يصور بخيلا اسمه " عيسى " ويريد أن يذمه لأنه بخيل جدا ويظهر صورة البخل بأنه ليس على الناس فقط بل على نفسه أيضا، فيما لا يضر بذله ولا ينفعه منعه. وما دام يقتر على نفسه فسيكون تقتيره على غيره أمرا متوقعا:

يقتر عيسى على نفسه

وليس بباق ولا خالد

فلو يستطيع لتقتيره

تنفس من منخر واحد

إنه بخيل لدرجة أنه يفكر لو استطاع أن يتنفس من فتحة أنف واحدة لفعل حتى لا يتنفس بفتحتي أنفه. والشاعر الآخر يأتي بصورة أيضا توضح كيف يمنع البخيل نفسه من الأريحية والإنسانية فيقول:

لو أن بيتك يا بن عم محمد

إبر يضيق بها فضاء المنزل

وأتاك يوسف يستعيرك إبرة

ليخيط قد قيمصه لم تفعل

فالشاعر يصور أن سيدنا يوسف لو جاء إلى هذا البخيل وقال له: أعطني إبرة لكي أخيط قد القميص الذي مزقته زليخاء، وهذا البخيل عنده بيت يمتلئ فناؤه بالإبر، لضن البخيل ورفض. إذن فالبخيل: هو من يضيق بالإعطاء، حتى إنه يضيق بإعطاء شيء لا يضر أن يبذله ولا ينفعه أن يمنعه، ويقول الحق عن البخلاء:

ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير

[آل عمران: 180]. فالحق يجعل للبخيل مما بخل به طوقا حول عنقه، ولو أن البخيل قد بذل قليلا، لكان الطوق خفيفا حول رقبته يوم القيامة. لكن البخيل كلما منع نفسه من العطاء ازداد الطوق ثقلا. ولقد قال الحق أيضا عن الذين يكنزون الذهب والفضة:

والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون

[التوبة: 34-35]. فإن كان اكتنازهم لكميات كبيرة فما سيحمى على النار منها يكون كثيرا، ويكوون به. إذن فالإنسان لا بد أن يخفف عن نفسه الكي، والذين يبخلون لا يكتفون بهذه الخسيسة الخلقية في نفوسهم بل يحبون أيضا أن تتعدى إلى سواهم كأنهم عشقوا البخل، ويؤلمهم أن يروا إنسانا جوادا يقول لك البخيل: لا تنفق لأنه يتألم حين يرى إنسانا جوادا، ويريد أن يكون الناس كلهم بخلاء كي لا يكون أحد أحسن منه.

إنه يعرف أن الكرم أحسن، بدليل أنه يريد أن يكون الناس كلهم بخلاء، والبخل: ضن بما أوتيته على من لم يؤت. وهل البخل يكون في المال فقط؟. لا، بل يكون في كل موهبة أوتيتها وتنقص عند غيرك ويفتقر إليها، إن ضننت بها فأنت داخل في البخل. إن الذي يبخل بقدرته على معونة العاجز عن القدرة، والذي يبخل بما عنده من علم على من لا يعلم، هذا بخل، والذي يبخل على السفيه حتى بالحلم هذا بخل أيضا، فإن كانت عندك طاقة حلم فابذلها. إذن فالبخل معناه: أنك تمنع شيئا وهبه الله لك عن محتاجه، معلم - مثلا - عنده عشرة تلاميذ يتعلمون الصنعة، ويحاول أن يستر عنهم أسرار الصنعة يكون قد بخل. ﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل.. ﴾ [النساء: 37]. والآية معناها يتسع لكل أمر مادي أو قيمي. ونحن نأخذها أيضا في المعاني العالية، فالذين أوتوا الكتاب كانوا يعرفون صفته صلى الله عليه وسلم، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فلما جاءهم مصدقا لما معهم كفروا برسالته صلى الله عليه وسلم وكتموا معرفتهم به عن الناس، وكتموا معرفتهم بما جاء به من علم وهو الصادق المصدوق. وهذا بخل في القيمة، وبعد ذلك استمروا يأمرون الناس بالبخل. وأنتم تعرفون أن الأنصار كانت عندهم الأريحية الأنصارية، وساعة ذهب إليهم المهاجرون، قاسموهم المال، حتى النعمة التي غرس الله في قلب المؤمن الغيرة عليها من أن ينالها أحد حتى ولو كان كارها لها، وهي نعمة المرأة لأن الرجل حتى وإن كره امرأته فهو يغار أن يأخذها أحد، ولكن الأنصار اقتسموا الزوجات، فكم من رجل كان متزوجا من أكثر من واحدة، طلق زوجة ليزوجها لمهاجر، فالحق سبحانه وتعالى يصعد أريحية الأنصار حتى أن الأنصاري يأتي بالمهاجر ويقول له: انظر إلى إحدى زوجتي أو إحدى زوجاتي فاختر ما يروقك فأطلقها وتتزوجها. أية أريحية سامية هذه؟ فإذا كنت ذا نعمة وأنت مؤمن فأنت تحب أن تعدي أثر نعمتك إلى غيرك، فإذا كان عندك سيارة فاخرة قد تحب أن تتصدق بها، لكن المرأة، لا، لكن هذه الأريحية جاءت من الأنصار وقالوا: هؤلاء مهاجرون وتاركون أهلهم. وكان هذا ارتقاء إيمانيا في ذات الأنصار. لقد جاء إليهم المهاجرون وفيهم شباب يمتلئون فتوة، وكانت قريش قد منعت أهليهم عنهم، ليس معهم زوجات. فيقول الأنصاري: لماذا لا أطلق إحدى زوجاتي، وليتزوجها أخي المهاجر لأنفس عن عواطفه. وأقل ما فيها أن أمنع نظره أن يتحول حراما. لكن اليهود والمشركين والمنافقين يقولون لهم: لا تنفقوا على من عند رسول الله.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٥٢