تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.60

نعرف أن ﴿ ألم تر.. ﴾ [النساء: 60] تعني: ألم تعلم، إن كان المعلوم قد سبق الحديث عنه، أو إن كان المعلوم ظاهرا حادثا بحيث تراه، ونعرف أن الحق عبر ب ﴿ ألم تر.. ﴾ [النساء: 60] في كثير من القضايا التي لم يدركها المخاطب وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليدلنا على أن ما يقوله الله - وإن كان خبرا عما مضى - يجب أن تؤمن به إيمانك بالمريء لك الآن، لأن الله أوثق في الصدق من عينك فعينك قد تخدعك، لكن حاشا أن يخدعنا الله. ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك.. ﴾ [النساء: 60] والمراد هم المنافقون وبعض من أهل الكتاب الذين زعموا الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. و " الزعم ": مطية الكذب، فهم ﴿ يزعمون أنهم آمنوا بمآ أنزل إليك.. ﴾ [النساء: 60] وهو القرآن ﴿ ومآ أنزل من قبلك.. ﴾ [النساء: 60]، وهو التوراة والإنجيل و ﴿ يريدون.. ﴾ [النساء: 60] بعد ادعاء الإيمان ﴿ أن يتحاكموا إلى الطاغوت.. ﴾ [النساء: 60]، والتحاكم إلى شيء هو: الاستغاثة أو اللجوء إلى ذلك الشيء لينهي قضية الخلاف. فعندما نقول: " تحاكمنا إلى فلان " ، فمعنى قولنا هذا: أننا سئمنا من آثار الخلاف من شحناء وبغضاء، ونريد أن نتفق إلى أن نتحاكم، ولا يتفق الخصمان أن يتحاكما إلى شيء إلا إذا كان الطرفان قد أجهدهما الخصام، فهما مختلفان على قضية، وأصاب التعب كلا منهما. ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت.. ﴾ [النساء: 60]. و ﴿ الطاغوت.. ﴾ [النساء: 60] - كما عرفنا - هو الشخص الذي تزيده الطاعة طغيانا، فهناك طاغ أي ظالم، ولما رأى الناس تخافه استمرأ واستساغ الظلم مصداقا لقول الحق:

فاستخف قومه فأطاعوه..

[الزخرف: 54]. وهذا اسمه " طاغوت " مبالغة في الطغيان، والطاغوت يطلق على المعتدي الكثير الطغيان سواء أكان أناسا يعبدون من دون الله، ولهم تشريعات ويأمرون وينهون، أم كان الشيطان الذي يغري الناس، أم كان حاكما جبارا يخاف الناس شره، وأي مظهر من تلك المظاهر يعتبر طاغوتا. وقالوا: لفظ الطاغوت يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع فتقول رجل طاغوت، ورجلان طاغوت، ورجال طاغوت، يأتي للجمع كقوله الحق:

الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت..

[البقرة: 257]. ويأتي للمفرد كقوله الحق: ﴿ وقد أمروا أن يكفروا به.. ﴾ [النساء: 60]. إذن فمرة يأتي للجمع ومرة يأتي للمفرد، وفي كل حكم قرآني قد نجد سببا مخصوصا نزل من أجله الحكم، فلا يصح أن نقول: إن حكما نزل لقضية معينة ولا يعدى إلى غيرها، هو يعدى إلى غيرها إذا اشترك معها في الأسباب والظروف، فالعبرة بعموم الموضوع لا بخصوص السبب.

لقد نزلت هذه الآية في قضية منافق اسمه " بشر ". حدث خلاف بينه وبين يهودي، وأراد اليهودي أن يتحاكم إلى رسول الله، وأراد المنافق أن يتحاكم إلى " كعب بن الأشرف " ، وكان اليهودي واثقا أن الحق له ولم يطلب التحاكم إلى النبي حبا فيه، بل حبا في عدله، ولذلك آثر من يعدل، فطلب حكم رسول الله، أما المنافق الذي يعلن إسلامه ويبطن ويخفي كفره فهو الذي قال: نذهب إلى كعب بن الأشرف الطاغوت، وهذه تعطينا حيثية لصدق رسول الله في البلاغ عن الله في قوله:

وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل..

[النساء: 58]. وكون اليهودي يريد أن يتحاكم إلى رسول الله، فهذه تدل على ثقته في أن رسول الله لن يضيع عنده الحق، ولم يطلب التحاكم إلى كبير من كبراء اليهود مثل " كعب بن الأشرف " لأنه يعرف أنه يرتشي. ويختم الحق الآية: ﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ﴾ [النساء: 60] فهما حين يتحاكمان إلى الطاغوت وهو " كعب بن الأشرف " وبعد ذلك يقضي لمن ليس له حق، سيغري مثل هذا الحكم كل من له رغبة في الظلم أن يظلم، ويذهب له ليتحاكم إليه! فالضلال البعيد جاء هنا لأن الظلم سيتسلسل، فيكون على القاضي غير العادل وزر كل قضية يحكم فيها بالباطل، هذا هو معنى " الضلال البعيد " ، وليت الضلال يقتصر عليهم، ولكن الضلال سيكون ممتدا. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠١٧