إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين * ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين
[آل عمران: 45-46] كيف يصوغ القرآن هذه الصياغة، وكيف تقول هي:
قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر
[آل عمران: 47] لقد كانت سيدتنا مريم البتول تحسن الاستقبال عن الله، فساعة سمعت أن اسمه المسيح عيسى ابن مريم، عرفت أن نسبه لها يعني أنه بلا أب. وعرفت أن الحق سبحانه ما نسبه إليها إلا لأنه لا أب له. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح... ﴾.
4.157
ونلاحظ أن الآية تبدأ بواو العطف على ما قبلها، وهو قوله الحق:
فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبيآء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا * وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما
[النساء: 155-156] ويعطف سبحانه على جرائمهم هذه الجريمة الجديدة: ﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ﴾ وأكثر ما يدهش في هذا القول هو كلمة ﴿ رسول الله ﴾ ، فهل هي هنا من قولهم؟ إن كانوا قد قالوها فهذا دليل اللجاجة المطلقة، ولو قالوا: إنهم قتلوه فقط لكان الجرم أقل وطأة، ولكن إن كانوا قد عرفوا أنه رسول الله وقتلوه فهذا جرم صعب للغاية. أو أن كلمة ﴿ رسول الله ﴾ هنا في هذه الآية ليست من مقولهم الحقيقي وإنما من مقولهم التهكمي. وأضرب المثل لأوضح هذا الأمر.. كأن يأتي شخص ذو قوة هائلة ومشهور بقوته ويأتي له شخص آخر ويضربه ويهزمه ويقول لجماعته: لقد ضربت الفتى القوي فيكم. إذن قد يكون قولهم: ﴿ رسول الله ﴾ هو من قبيل التهكم، أو أن كلمة ﴿ رسول الله ﴾ هنا هي من قول الحق سبحانه وتعالى مضافا إلى قولهم ليبشع عملهم. " وقولهم: ﴿ إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ﴾ فكأن الحق لم يشأ أن يذكر عيسى ابن مريم إلا مرتبطا أو موصوفا بقوله: ﴿ رسول الله ﴾ لنعلم بشاعة ما فعلوه، فعيسى ابن مريم رسول الله على رغم أنوفهم، وخاصة أن الكلام في مجال انكارهم وجحودهم لنعم الله، وكفرهم بآيات الله، وكأن الحق يسخر منهم لأنه ما كان الله ليرسل رسولا ليبين منهجه للناس ثم يسلط الناس على قتله قبل أن يؤدي مهمته. وجاء بكلمة ﴿ رسول الله ﴾ هنا كمقدمة ليلتفت الذهن إلى أن ما قالوه هو الكذب. وبعد ذلك يقول لنا سبحانه: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ﴾. وكلمة " وما صلبوه " هنا هي لتوضيح أن مجرد ظنهم أنهم قتلوا المسيح جعلهم يشيعون ذلك ويعلنونه للناس، وهم قد فعلوا ذلك قبل أن يتوجهوا إلى فكرة الصلب، فقد قتلوا شخصا شبهه الله لهم ولم يكن هو المسيح وصلبوه من بعد ذلك، وبمجرد قتل هذا الشخص طاروا بخبر القتل قبل أن تبدأ فكرة الصلب. ويقطع الله عليهم هذا الأمر، فيقول: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ﴾. وقد لفتنا سبحانه من قبل إلى أن عملية ميلاد المسيح تم استقبالها من بني إسرائيل بضجة، فعلى رغم علمهم خبر مجيء المسيح بالميلاد من غير أب، وعلى رغم أنهم علموا بناتهم الاستشراف أن يكون لأية واحدة منهن شرف حمل المسيح، وعلى رغم ذلك قالوا البهتان في مريم التي اصطفاها الله.
وكذلك كان لمسألة الوفاة ضجة. واقتران الضجتين: ضجة الميلاد وضجة الوفاة معا في رسالة السيد المسيح يدلنا على أن العقل يجب أن تكون له وحدة تفسيرية، فساعة يتكلم العقل عن قضية الميلاد بالنسبة لعيسى ابن مريم لا بد أن يستشعر الإنسان أن الأمر قد جاء على غير سنة موجودة، وساعة يبلغنا الحق أن بني إسرائيل بيتوا النية لقتل عيسى ابن مريم، وأن الله رفعه إليه تكون المسألة قد جاءت أيضا بقضية مخالفة، ولا بد أن نصدق ما بلغنا الله به، وأن يتذكر العقل أن الميلاد كان مخالفا، فلماذا لا تكون النهاية مخالفة أيضا؟ وكما صدقنا أن عيسى ابن مريم جاء من غير أب، لا بد أن نصدق أن الحق قد رفعه في النهاية وأخذه، فلم يكن الميلاد في حدود تصور العقل لولا بلاغ الحق لنا. وكذلك الوفاة لا بد أن تكون مقبولة في حدود بلاغ الحق لنا. والميلاد والنهاية بالنسبة لعيسى ابن مريم كل منهما عجيبة. وإن فهمنا العجيبة الأولى في الميلاد فنحن نعتبرها تمهيدا إلى أن عيسى ابن مريم دخل الوجود ودخل الحياة بأمر عجيب، فلماذا لا يخرج منها بأمر عجيب؟ وإن حدثنا الحق أن عيسى ابن مريم خرج من الحياة بأمر عجيب فنحن لا نستعجب ذلك لأن من بدأ بعجيب لا عجب أن ينتهي بعجيب. وسبحانه وتعالى حكم وقال: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ﴾ وكلمة ﴿ شبه لهم ﴾ هذه هي دليل على هوج المحاولة للقتل، فقد ألقى شبهه على شخص آخر. وذلك دليل على أن المسألة كانت غير طبيعية، ليس فيها حزم التبين من المتربصين القتلة. ونعلم أن الحواريين وأتباع سيدنا عيسى كانوا يلفون رءوسهم ويدارون سماتهم، ولذلك قال الحق لنا: ﴿ ولكن شبه لهم ﴾ أي أنهم قد شبه لهم أنهم قتلوه. واختلفت الروايات في كلمة " شبه لهم " ، فمن قائل: إنهم حينما طلبوا عيسى ابن مريم ليقتلوه دخل خوخة، والخوخة هي باب في باب، وفي البيوت القديمة كان يوجد للبيت باب كبير لإدخال الأشياء الكبيرة، وفي هذا الباب الكبير يوجد باب صغير يسمح بمرور الأفراد، وفي سقف البيت توجد فتحة وكوة اسمها روزنة أو ناروظة. فلما طلبوا عيسى دخل الخوخة، ودخل خلفه رجل اسمه " تطيانوس " وعندما رأى سيدنا عيسى هذا الأمر ألهمه الله أن ينظر إلى أعلى فوجد شيئا يرفعه، فلما استبطأ القوم " تطيانوس " خرج عليهم فتساءلوا: إن كان هذا تطيانوس فأين عيسى؟ وإن كان هذا عيسى فأين تطيانوس؟ إذن فقد اختلط عليهم الشبه بين " تطيانوس " وعيسى، وألقى الله شبه عيسى على " تطيانوس " فقتلوه. أو أن عيسى عليه السلام حينما دخلوا عليه كان معه الحواريون وقال لهم عيسى: أيكم يلقي عليه شبهي وله الجنة؟ فماذا إذن يريد الحواري لنفسه أكثر من الجنة؟ وقدم عيسى عليه السلام الجائزة الكبرى لأي مؤمن، وقبل واحد من الحواريين هذه المهمة، ويقال له " سرخس ".