تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده..

[البقرة: 249]. وما الضرورة في كل هذه التصفيات؟ لقد أراد الله ألا يحمل الدفاع عن منهجه إلا المؤمنون حقا، وهم من قالوا:

كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله..

[البقرة: 249]. وقوله تعالى:

فهزموهم بإذن الله..

[البقرة: 251]. لماذا أعطانا ربنا هذه الصورة من التصفيات؟ كي نفهم أن النفس البشرية حين تواجه بالحكم نظريا لها موقف، وحين تواجه به تطبيقيا لها موقف ولو بالكلام، وحين تواجه به فعلا يكون لها موقف، وعلى كل حال فقليل من قليل من قليل هم الذين نصرهم الله. إذن فيريد سبحانه أن يربي في نفسونا أنه جل وعلا هو الذي يهزم، وهو الذي يغلب مصداقا لقوله الحق:

قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم..

[التوبة: 14]. إذن فالحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: أنا قلت لكم انفروا ثبات أو انفروا جميعا واعلموا أن النفس البشرية هي بعينها النفس البشرية، وستتعرض للذبذبة حين تواجه الحكم للتطبيق، ولذلك يأتي هنا بقوله الحق: ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن... ﴾.

4.72

فساعة ندعو إنسانا منكم للحرب قد يبطئ ويتخاذل، مثلما قال في آية أخرى:

ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض..

[التوبة: 38]. و

اثاقلتم..

[التوبة: 38] تعني: أن هناك من يتثاقل أي ينزل إلى الأرض بنفسه، وعلينا أن نفرق بين من ينزل بجاذبية الأرض فقط، وبين من يساعد الجاذبية في إنزاله، فمعنى " اثاقل " أي تباطأ، وركن، وهذا دليل على أنه يريد أن يتخاذل، وهؤلاء لا يتباطأوا فحسب بل إنهم أقسموا على ذلك. ومنهم من كان يثبط ويبطئ غيره عن الغزو كالمنافق عبد الله بن أبي. ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ [النساء: 72] فافهموا وخذوا هذه المناعة ضد من يعوق زحف المنهج قبل أن تبدأ المعركة، حتى إذا وقعت المعركة نكون قد عرفنا قوتنا وأعددنا أنفسنا على أساس المقاتلين الأشداء. لا على من يتباطأون ويتثاقلون، فهناك من يفرح ببقائه حيا عندما يرى هزيمة المسلمين أو قتل بعضهم لأنه لم يكن معهم، فيظهر الحق أمثال ذلك ويقول: ﴿ فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ﴾ [النساء: 72]. لقد تراخى وبقي، وعندما تأتيهم المصيبة من قتل، أو من هزيمة يقول لنفسه: الحمد لله إنني لست معهم. إذن تثاقله وتخلفه وتأخره عن الجهاد، كان عن قصد وإصرار في نفسه. وهذه قمة التبجح فهو مخالف لربنا وعلى الرغم من ذلك يقول: أنعم الله علي، مثله كمثل الذي يسرق ويقول: ستر الله علي، وهذه لهجة من لم يفهم المنهج الإيماني، فيقول: ﴿ قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ﴾ [النساء: 72]. إنه لم يكن معهم ولم يكن شهيدا ويعتبر هذا من النعمة، ولذلك قال بعض العارفين: إن من قال ذلك دخل في الشرك، فالمصيبة في نظره إما قتل وإما هزيمة. ثم ماذا يكون موقف المتخاذل المتثاقل المتباطئ عند الغنيمة أو النصر؟ يقول الحق: ﴿ ولئن أصابكم فضل من الله... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٣٣