تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.46

تكلم الحق في سورة النساء عن الخلق الأول وأوضح: إنني خلقتكم من نفس واحدة وهي " آدم " وبعد ذلك خلقت منها زوجها، ثم بثثت منهما رجالا كثيرا ونساء والبث الكثير للرجال والنساء لتستديم الخلافة للإنسان، لكن كيف يأتي ذلك؟ أوضح سبحانه: أريد مجتمعا قويا، وإياكم أن يضيع فيه اليتيم. وبعد ذلك ما دمت أريد استدامة هذا الاستخلاف فليأخذ الأيتام نصيبا، وتكلم - سبحانه - عن التركة، ثم تكلم عن السفهاء غير المؤتمنين على مالهم، وبعد ذلك تكلم عن كيفية الزواج. إذن: فكل هذه العملية ليبني لنا نظام حياة متكاملا لأن الخلافة في الأرض تقتضي دوام هذه الخلافة بالتكاثر، والتكاثر لا يؤدي مراده إلا إذا كان تكاثر أقوياء، أما تكاثر الضعاف فهو لا ينفع. فإن كان فيكم يتيم لا بد أن تلاحظوه، وإن كان فيكم سفيه لا يستطيع أن يدبر ماله فدبروا أنتم له ماله، واجتهدوا لتتركوا من حركة حياتكم للناس الذين سيأتون بعدكم إلى أن تقوى نفوسهم على الحركة. وأوضح سبحانه منهاج الميراث، وأمر سبحانه: أن تزاوجوا، لكن للتزاوج شروطه وقد أوضحها، ثم أعطانا المنهج العام:

واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا..

[النساء: 36]، ووضح هذه الأحكام كلها. وبعد ذلك ما الحكمة في أنه - سبحانه - يرجع بنا مرة ثانية لليهود؟ الحق سبحانه وتعالى يوفي الأحكام، وإلقاء الأحكام شيء وحمل النفس على مراد الله في الأحكام شيء آخر، فيوضح لنا: أن هناك ناسا ستعلم الحكم لكنها لا تقدر أن تحمل نفسها عليه، فإياكم أن تكونوا كذلك. واعلموا أن هناك أناسا عندهم نصيب من الكتاب أيضا، ويعلمون مثلكم تماما، إنما اشتروا الضلالة، إذن فهو شرح لنا إنه الواقع الملموس ولا يأتينا - سبحانه - بكلام خبري أو إنشائي، قد تقول: يحدث أو لا يحدث، إنه يأتيك بأحداث من واقع الكون، وينبهنا: إياكم أن تكونوا مثلهم، فقال: ﴿ من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه.. ﴾ [النساء: 46] والتحريف: أنك تأتي باللفظ الذي يحتمل معنيين: معنى خير، ومعنى شر، ولكنك تريد منه الشر، مثل الذي يقول: " السام عليكم - والعياذ بالله - " هي في ظاهرها أنه يقول: السلام عليكم، لكنه يقول: السام. يعني " الموت " ، إذن: ففي اللفظ ما يلحظ ملحظ الخير، ولكن العدو يميله إلى الشر. ومثل هذا ما قالوه للنبي: " راعنا " وهي من المراعاة، لكنهم كانوا يأخذونها من الرعونة، فيأتي الأمر: اترك الكلمة التي تحتمل المعنيين. واقطع الطريق على الكلمة التي تحتمل التوجهين لأن المتكلم، قد يريد بها خيرا وقد يريد بها شرا، فمعنى تحريف الكلام أي أن الكلام يحتمل كذا ويحتمل كذا.

والمثال على ذلك: الرجل الذي يذهب لخياط ليخيط له قباء - وكان الخياط كريم العين - أي له عين واحدة - فلم يعجب الرجل بخياطة القباء فقال: والله ما دمت أفتضح بهذا الثوب الذي خاطه لي أمام الناس فلا بد أن أقول فيه شعرا يفضحه في الناس، فقال:

خاط لي عمرو قباء

ليت عينيه سواء

فقوله: ليت عينيه سواء يظهر ماذا؟ هل يا ترى يتمنى له أن تكون عينه المريضة مثل السليمة؟ أو يتمنى أن تكون العين السليمة مثل المريضة؟ إذن: فالكلام يحتمل الخير والشر، ومثلما حكوا لنا أن واحدا من الولاة طلب من الخطيب أن يسب سيدنا عليا - كرم الله وجهه وآله - وأن يلعنهم على المنبر. فقال الخطيب: اعفني. فقال الوالي: لا، عزمت عليك إلا فعلت. فقال له الخطيب: إن كنت عزمت علي إلا فعلت، فسأصعد المنبر وأقول: طلب مني فلان أن أسب عليا فقولوا معي: يلعنه الله. فقال له: لا تقل شيئا. فقد فهم الوالي مقصد الخطيب وقدرته على استعمال الكلام على معنيين. والحق يقول: ﴿ من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه.. ﴾ [النساء: 46]. وأريد أن تنتبهوا إلى أن أسلوب القرآن يأتي في بعض المواقع بألفاظ واحدة، ولكنه يعدل عن عبارة إلى عبارة، فيخيل لأصحاب النظرة السطحية أن الأمر تكرار، ولكنه ليس كذلك، مثلما يقول مرة:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٨٠